جميل مطر
أيام تاريخية تلك التي نعيشها، كل يوم يمر علينا يترك وراءه علامة جديدة على أن «النظام» العالمي كما «النظام» الإقليمي العربي، انتقلا خلال اليوم درجة أو درجات نحو هاوية وفي أحسن الأحوال نحو فوضى أشمل وأوسع مجالاً وأكثر تنوعاً.
نظرت حولي وورائي وأمامي ورأيت من وراء الغيوم أياماً قادمة تشبه أياماً عاشتها شعوب خلال الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. عاشت حرباً في منشوريا شنتها الإمبراطورية اليابانية ضد الصين، وعاشتها في شرق وشمال إفريقيا عندما شنت حكومة الفاشيين الإيطاليين حرباً ضد الحبشة وأخرى ضد ليبيا. هذه الأيام نعيش حرباً لا تقل وحشية أو ضراوة تشنها حكومة إسرائيلية فاشية التكوين وبأهداف توسعية وأساليب سادية ضد شعب فلسطين وشعوب أخرى في لبنان وسوريا وإيران، ولم تتأخر في نقل رسالتها، أعني رسالة الإبادة والتدمير، إلى شعوب الخليج ومصر والعراق وتركيا.
الجديد بين ما أفرزته أحداث وتغيرات وقعت خلال الأسابيع الأخيرة هو انكشاف حال ومكانة وهيبة القطب الأعظم في النظام العالمي. إذ إنه عندما يقف ممثل القطب الأوحد في نظام الهيمنة ويهاجم منظمة الأمم المتحدة -الأداة الرئيس في هيكل النظام العالمي- ويكاد يقصم ظهرها سخرية وسخفاً وتهديداً، ولعله نجح في تحقيق هدفه من خطابه من فوق منبرها، وإن بعد شهور من العمل الدؤوب لتفكيكها وإضعاف مؤسساتها.
الحضور تركوا مقاعدهم عندما حضر للقاعة رئيس وزراء إسرائيل. ارتحنا، أنا وأمثالي معتبرين المغادرة، غير المسبوقة في حجمها، موجهة ضد أنصار الوضع القائم في عالم اليوم، ضد إسرائيل ودول أخرى جعلت هدفها التخلص من نظام دولي هي صانعته.
جدير بالذكر بأن الرئيس ترامب لم يفلح في محاولة الاستيلاء على غرينلاند، ولا أظن أنه سوف يكرر قريباً المحاولة لأنه ربما اكتشف ما اكتشفناه على البعد، وهو وضع النظام الأوروبي الحرج في هذه اللحظة من مرحلة شديدة التعقيد في العلاقات الأمريكية الأوروبية وبخاصة في الجانب المتعلق بالحلف الأطلسي. هناك استقبلوا نائبه بالرفض.
لا يمكن إلا أن نغفر لأعضاء النظام الإقليمي مسؤوليتهم عن هذا التدهور حيث لم يعد النظام لاعباً أساسياً ولا محسوباً في الجغرافية السياسية للشرق الأوسط. صار مخترقاً من جهاته الأربع ومن داخله من جانب الدولة العدو بعمليات عقاب واحتلال قطرية أو بكليهما معاً وفي آن واحدة. تدنى أداء النظام العربي حتى أصبح طرفاً غير فاعل، أو فاعلاً بسلبيته، في صنع أو إدارة القضايا الداخلة في أدق اختصاصاته وأهمها التكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني بين دول النظام.
تدفعنا تطورات الأيام الأخيرة إلى ضرورة تتبع السباقات الجارية حول رسم خريطة مختلفة للشرق الأوسط. أطراف السباقات يتزايدون. كانت الخريطة عثمانية برضاء أهم إمبراطوريات ذلك الحين. ولم يكن مسموحاً نظرياً معظم الوقت لدول أوروبية أو لمصر بالتدخل منتهزين فرصة تدهور صحة الإمبراطورية العثمانية. زالت الإمبراطورية بانتصار الغرب وصار الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للسباق. دخلت بريطانيا وفرنسا فأدارتا أول سباق لرسم خريطة سياسية لدول في الشرق الأوسط على وشك الحصول على الاستقلال. وبعدها تاريخ طويل من محاولات تغيير ما سبق ورسمته كل من فرنسا وبريطانيا. تدخلت مصر لتمنع هيمنة العراق على سوريا ثم تدخلت مع دول أخرى لمنع الهيمنة على كل فلسطين ثم لمنع الرئيس صدام من ضم الكويت. في الوقت نفسه رأينا الدول المجاورة غير المحسوبة عربية تتدخل لتغيير معالم مهمة في الشرق الأوسط لصالحها، تدخلت إيران وتدخلت تركيا في كل المراحل من على البعد أو من قلب الشرق الأوسط كما تدخلت الولايات المتحدة مستخدمة أحياناً أخطر وسائل التدخل وأحدثها ألا وهي المنظمات الإرهابية، وما صار يعرف بالحرب العالمية ضد الإرهاب.
في السنوات الأخيرة انتبهت إسرائيل إلى أهمية هذه السباقات فراحت هي الأخرى تتدخل بأبشع صور التدخل تحت عناوين أبرزها عنوان «إسرائيل الكبرى»، العنوان الذي صار شائعاً أكثر من أي عنوان سبقه، على الأقل منذ خريطة سايكس بيكو.
خفتت ولا شك في الآونة الأخيرة أصوات دول كانت من بين أنشط محترفي رسم خرائط للشرق الأوسط، وارتفعت ولا شك أصوات دول لم نكن نسمع عن نشاط لها في هذا المجال، ولا شك في أن الصوت الأعلى الآن في هذه المجموعة هو لإسرائيل.
على ضوء الأوضاع العربية الراهنة، وعلى ضوء الأوضاع الدولية المحيطة بنا، أستبعد أن أرى في الأجل المنظور دوراً للنظام العربي بشكله الراهن في وقف سباقات رسم خرائط أحدث لشرق أوسط كبير وجديد، خرائط لا مكان فيها لدولة فلسطينية حقيقية ولا لدولة بتطلعات عروبية. هذه، وغيرها كثير، تضمنه «ميثاق السلام» الذي وضعه توني بلير وحمل اسم دونالد ترامب.