مثل كثيرين غيري من أقران مرحلة المراهقة عشت خلالها أمارس أحلام اليقظة، مارستها إلى حد الإدمان لأمتنع عنها في مرحلة الدراسة الجامعية. دارت معظم أحلام تلك المرحلة حول السفر في رحلات بعيدة، وبخاصة أوروبا وآسيا، بعد أن كنت قد استهلكت فرص السفر في رحلات داخل مصر ورحلات خارجية اقتصرت على ثلاث دول جارة أولها فلسطين، وجدير بالإضافة هنا أننا كمجموعة في فريق للجوالة في غزة حاولنا التلصص على سكان إحدى المستوطنات فوقعنا في الأسر الإسرائيلي في سجون فلسطين المحتلة. ثاني الدول التي زرتها في هذه المرحلة السودان وثالثها المملكة الليبية.
في كل تلك الرحلات، ما تحقق منها في سن المراهقة وما بقي يتردد في أحلام يقظة متناثرة، كانت الجبال محل الاهتمام. أشبعت بعض الشغف بالتوقف لساعات أتأمل في جمال وخضرة الجبل الأخضر، الاسم الذي عرفت به سلسلة جبال ولاية برقة في شرق ليبيا. أشبعت بعضاً آخر بيوم قضيناه في منطقة جبال النوبة في ولاية كردفان بجنوب السودان. أشبعت بعضاً في الهند مثلاً وفي إفريقيا، ولكن التطلع لرحلة في أوروبا من أجل جبال الألب.
كانت إيطاليا أول من قدمني لجبال أوروبية. عشت مراهقتي أحلم بالألب، لم أكن أعرف أو أتصور أن في أوروبا جبالاً أخرى بروعة وجمال وشموخ الألب.
لماذا أوروبا؟ ولماذا ألمانيا بشكل خاص. المصريون شعب بمزاج أوروبي. المصريون الذين أعنيهم هم الطبقة المتعلمة في ذلك الحين، هم الذين تصدوا للاستعمار الإنجليزي وبعضهم تعلم على أيدي معلمين إنجليز، أنا نفسي كنت في الرابعة ثانوي عندما كان يعلمني التاريخ أستاذ إنجليزي. أمريكا لم تكن يوماً في ذلك الحين جزءاً من أحلام المصريين. أظن أننا لم نكن نعرف عنها إلا القليل. أمريكا كانت سينما وموسيقى وغناء ورعاة بقر والدولة العظمى التي تريد وتضغط علينا لنسمح لها بإقامة قاعدة عسكرية والانضمام لحلف مركزي للشرق الأوسط.
لم يكن الاحتلال البريطاني لمصر مجرد صفحات في الكتب المدرسية عن مرحلة ولت. كان كياناً حياً ملموساً نعبر أمام ثكناته العسكرية في طريقنا إلى النزهات الأسبوعية إلى حدائق الجزيرة على الطرف الآخر من النيل.
أعود إلى حلم ركوب الألب في أوروبا التي كنا نحبها وأظن أننا، وأقصد أبناء جيلي، كنا نشفق على شعوبها التي عانت قروناً من حروب، لا تتوقف واحدة إلا وقد بدأت أخرى. اكتملت الظروف وكذلك الاستعدادات. سبقتني زوجتي مع الطفلين سامر ونسرين إلى فيينا لزيارة الأهل، وأعرب زميلي بالسفارة سامي ثابت، وقد عملنا معاً في سفارتنا بالهند، عن ترحيبه بمرافقتي في رحلة أزمع القيام بها وبالسيارة إلى فيينا والعودة مروراً بدول ومدن كثيراً ما كانت تهف على أحلامي أو عبوراً منها إلى دول أخرى مثل المجر وبخاصة بودابست عاصمتها الجميلة والدانوب الذي يتوسطها بدلال وأناقة.
إن نسيت فلن أنسى، أنه خلال إحدى إقاماتي المتكررة في فيينا، دعيت لزيارة محل هو ما بين المقهى والمطعم البسيط يطل على مدينة فيينا من فوق قمة تل أخضر، قمة تزينها دفقات من سحابات منخفضة، هناك تناولت مع القهوة المحلاة بالحليب قطعة من فطيرة تفاح لعلها كانت الأطيب بين كل القطع التي تناولتها في رحلات امتدت لتشمل عديد المقاهي المتناثرة في مرتفعات مررنا بها أو صعدنا إليها في سويسرا وفي ألمانيا وفي التيرول بإقليميه النمساوي والإيطالي.
فيينا لها في قلبي مكانة خاصة وفي عقلي أيضاً. أتصور أن أي سطور أكتبها عن أوروبا وجبالها وتاريخها وحكاياتي الشخصية فيها أو عنها، لن أفي فيينا حقها كاملاً إن لم أبدأ هذه السطور وأختمها بشطر من بيت في أغنية شدت بها أسمهان قبل أن أولد بعشر سنوات أو أكثر، لعلها الأغنية التي مع عوامل أخرى ساهمت في صنع اهتمامي منذ الصغر بفيينا الأصل قبل أن تصير رمزاً بثقافتها وفنونها وقصورها ومقاهيها. تقول أسمهان في هذا الشطر من أغنيتها «دي فيينا روضة من الجنة».
وتحققت بعض أحلامي الأوروبية
9 أبريل 2026 00:21 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 أبريل 00:21 2026
شارك