أما وقد بلغت أعلى مراتب العمر وأروعها أظن أنني صرت أقدر من أي وقت مضى على أن أصدر أحكاماً لا غبار عليها ولا ممالأة فيها ولا خوف منها. أعني الأحكام التي تخص أي شيء باستثناء السياسة. ففي السياسة انحياز لا مفر منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلت إليها، أو توصلت لي، بعد عقود شهدت معي مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معاً حروباً وسلاماً، برودة ودفئاً، صداقات وعداوات. عشنا معاً نمارس أو يمارس ضدنا الصدق حينا والكذب حيناً آخر، ذقنا معاً حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا في عمل الخير وقصرنا في محاربة الشر. حتى وصلنا أخيراً إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.
استلمت سيارتي من وكيل الشركة في روما، وفي نفس اليوم سألت نبيل العربي زميلي في أكبر دفعة من الملحقين الدبلوماسيين يجري تعيينها في الخارجية منذ تولي الضباط الأحرار مسؤولية الحكم في مصر، سألته عن أقرب موقع سياحي يلجأ ناحيته المقيمون في روما مع عائلاتهم في أيام العطلات. غاب عنا قليلاً وعاد ومعه خريطة قال عنها لا أحد من الأجانب المقيمين في إيطاليا أو السائحين إليها يتحرك بدونها.
فتح نبيل الخريطة ليحدد لي موقع مدينة تيفولي و«فيلا ديستي» بالذات. اشتهرت حدائق التيفولي بتخطيطها الجذاب ونافوراتها العديدة وبالقصر الرائع. حدد لي أيضاً موقع «كاستيل جاندوفلو» الضاحية التي يقيم فيها بابا الفاتيكان في شهور الصيف، وهي مرتفعة قليلاً عن سطح البحر وتتوسطها بحيرة واسعة. تركني اختار بين الاثنين.
اخترت مصيف البابا. تحركنا في الثامنة صباحاً يدفعني الفضول والرغبة في إدخال السعادة إلى عائلتي وصديقات لنا من لبنان، ولكن راح يهدئ من حماستي ما وشت به الخريطة عن قدر الارتفاع الضئيل لهذه الضاحية. كنت لا أزال أعيش عقدة المقطم، الجبل المتاخم للحي الذي ولدت فيه وشهد مرحلة تنشئتي الأولى.
كانت، على كل حال، رحلة طيبة من نواحٍ أخرى. الضاحية كانت تبعد ما لا يزيد على خمسة وعشرين كيلومتراً عن روما. يتوسطها ولكن على ارتفاع مناسب قصر أو قلعة البابا. كل ما في القرية يعكس ذوقاً رفيعاً وطبيعة خلابة حتى إنها مصنفة في إحدى كتيبات السياحة باعتبارها واحدة من أجمل قرى إيطاليا.
مرة أخرى أجرب السفر قائداً لسيارتي في رحلة إلى نابولي، عاصمة الجنوب. كانت الرحلة سهلة والطريق الساحلي مريحاً ومنبسطاً. توجهنا فور وصولنا إلى مقر سكن نائب القنصل وهو أيضاً من زملاء دفعتي. شربنا القهوة بسرعة متشوقين لركوب العبارة التي سوف تحملنا إلى جزيرة كابري، تلك الأسطورة السياحية. جمالها في جبالها ووديانها ومقاهيها المتناثرة وقصورها المترامية على قمم الجبال، قصر منها كان المفضل لدى الملك فاروق.
بعد قضاء يومين بين كابرى ونابولي قررت العودة على طريق غير طريق الشاطئ المنبسط، حيث بعض أجزائه دافعة للملل ككل طرق السفر المنبسطة، وإن كان أغلبه يمر إلى جانب جبال مبهرة تتخللها مصايف توقفنا في بعضها.
انتهت الرحلة بسلام بعد أن خلّفت في ملف ذكرياتي قصة أول تجربة قيادة على طرق جبلية وعرة وفي ظروف خطرة. هذه التجربة بكل المعاناة التي عشناها كانت وراء تحقيق حلم قديم، حلم قيادة سيارة في مواقع متعددة من سلاسل جبال شامخة، وبخاصة سلسلة الألب الأشهر في خيالي وزيارة قرى ومدن سمعت أو قرأت عنها.
هذه المواقع ليست سوى نماذج للكثير من إبداعات الطبيعة والبشر، أكثرها لا يرى إلا برحلات ينظمها ويقودها بنفسه إنسان مثلي يحلم بزيارة أثر أو شخص في موقع بجبل ضمن سلسلة جبال فيقرر في لحظة ويبدأ على الفور يحقق الحلم منفرداً أو مع رفيق سفر. هذا بالضبط ما عشت أفعل خلال عطلاتي. بدأت بركوب جبال إيطاليا ظناً مني أنها ستكون أقل وعورة، أملاً في أن تكون تمهيداً طيباً وآمناً لاقتحام عالم القيادة الجبلية الصعبة في الألب وغيرها من السلاسل الشهيرة في العالم.. تحقق الحلم.