يصف بطل رواية «زوربا» منظر البحر قبل أن يركب سفينته راحلاً إلى جزيرة كريت هو والرجل الذي عثر عليه في ميناء يعج بالبحّارة. يقول «البحر، وطراوة الخريف، والجزر السابحة في النّور، والمطر الناعم الذي أضفى حجاباً شفافاً على العري الأبدي لجزر اليونان، كم هو سعيد الرجل الذي يمخر عباب بحر إيجه قبل وفاته».
وفي الفقرة الثانية من هذا النص الروائي الشعري يقول:«كم هي عديدة مسّرات هذا العالم، نساء، وفواكه، وآراء.. ولكن أن تشقّ عباب هذا البحر الهادئ، وفي فصل الخريف لهي السعادة التي تملأ قلب الإنسان في نعيم الفردوس».
البحر الذي يتحدث عنه بطل الرواية هو البحر الأبيض المتوسط، أما طريق البحّارة فهي باتجاه كريت، أي على العكس من مدينة غزة، ولكن البحّارة في كل الأحوال أكثرهم يونانيون يحبون الحياة على طريقة زوربا الذي عشق العزف على «السانتوري» أكثر من عشقه للأكل أو العائلة أو الأولاد، رجل طويل القامة، له جمجمة مسطحة تشبه الكعكة، عيناه حادتان متوقدتان، وفكه صلب، وتلك هي عادة طبيعة البحّار، الحيّ في الماء، والميّت في اليابسة.
تذكرت هذه الأجواء الروائية المائية أو المرفأية، وتذكرت بعض أحداث رواية «زوربا»، كما تذكرت تعاطف البحّارة اليونانيين مع أطفال الحجارة الفلسطينيين في ثمانينات القرن العشرين، وتلك السفن اليونانية التي حملت الفلسطينيين من بيروت إلى تونس والجزائر واليمن بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في عام 1982، كل هذه المشهديات القديمة تعود إلى ذاكرتك، وأنت ترى اليوم اعتراض القوات البحرية الإسرائيلية لسفن أسطول الصمود العالمي الذي يسعى إلى مساعدة الناس المدنيين الأبرياء في قطاع غزة.
على نحو ما أصبح للفلسطيني هذا الأسطول البحري في عباب البحر الأبيض المتوسط. أسطول مدني غير مسلح، وكل ما هنالك خبز ودواء وماء، وشيء من وجه الشبه بين أولئك الشباب والرجال والنساء وبين زوربا عازف «السانتوري» اليوناني، مع الفرق في فن الرقص. زوربا يرقص على شاطئ الماء في جزيرة كريت، والفلسطيني يرقص على شاطئ الدم.
يقول كازانتزاكيس أو يقول أحد أبطاله في الرواية: «كم هو سعيد الرجل الذي يمخر عباب بحر إيجه قبل وفاته»، فمن هو هذا الرجل؟ أهُو ذلك الإسباني، أم اليوناني، أم الألماني، أم الفرنسي، الذي يتوجه إلى غزة على متن الأسطول الفلسطيني الرمزي/ الواقعي/ أم هو زوربا الآخر. زوربا القرن الحادي والعشرين، الذي انكسرت آلته الموسيقية، وما عاد قادراً لا على العزف، ولا على الرقص.
وفعلاً، ما أكثر مسرّات العالم، من الأفكار إلى الفاكهة، لكن في غزة وحولها، بعيداً أو قريباً منها فعلاً ما أكثر الأفكار، ولكن ما أقل الفاكهة.
دعك من الفواكه، يقول لسان حال الغزّي، لا الخوخ ولا الرمّان ولا التفّاح تريده نفسي، أريد، فقط، رغيف خبز.
[email protected]
أسطول زوربا الفلسطيني
3 أكتوبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 أكتوبر 00:04 2025
شارك