د. باسمة يونس
ليس مجرد لون من ألوان الكتابة، بل مرآة لمرحلة مضطربة يقف فيها الإنسان بين براءة الطفولة وثقل النضج، فيكتشف ذاته كما يكتشف العالم من حوله. إنه أدب يفتح أبواب الأسئلة الكبرى التي تشكل مستقبل الفتيان، ويجيب عن أسئلتهم الباحثة عن تعريف لأنفسهم، وما الذي ينتظرهم، وكيف يصنعون مستقبلهم وسط هذا الكون الفسيح المليء بالتحديات والوعود؟.
في هذا الأدب يتشكل الوعي الأول بالهوية وتزرع بذور الخيال والقيم الإنسانية ويعين اليافع على مواجهة التنمّر والخيبات، كما يفتح أمامه آفاق الحلم والابتكار، فيوازن بين ما هو تربوي وما هو جمالي وبين الحكمة والإبداع.
وقد أثبت الزمن أن أدب اليافعين لم يعد حقلاً هامشياً أو مجرد مرحلة انتقالية بين قصص الأطفال وروايات الكبار، بل غدا صناعة ثقافية متكاملة، قادرة على أن تهز وجدان أجيال بكاملها.
وظهرت في العالم أسماء وأعمال صارت رموزاً للخيال الحر مثل «هاري بوتر» و«مباريات الجوع» وغيرها، بينما ما زالت التجربة تنضج في العالم العربي عبر مبادرات ومؤسسات تهتم بهذا اللون الأدبي، كمجلس أدب اليافعين في الشارقة، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة اتصالات لكتاب الطفل، إلى جانب دور نشر آمنت بأن، للناشئة بما لا يدع مجالا للشك، نصوصاً عميقة لا تقل شأناً عن ما يُكتب للكبار.
ومن اللافت أن بعض اليافعين أنفسهم أصبحوا يكتبون لأقرانهم، في تجربة تضيف صدقاً لا يشترى ومباشرة لا يمكن تقليدها، إذ لا يعرف معاناة الفتى مثل فتى آخر، ولا يترجم قلق المراهقة إلا من عاشه في زمنه.
ولأن الأدب لا ينمو إلا بماء الرعاية، فقد ظهرت مبادرات تسعى لتحسينه وتثبيت مكانته مثل ترجمة الأعمال العالمية إلى العربية والعكس، لتوسيع الأفق الثقافي وإنشاء المنصات الرقمية التي تقرّب الكتاب من القارئ في زمن التكنولوجيا وتنظيم المخيمات والمهرجانات والنوادي التي تجعل من القراءة طقسا جماعيا حيا، ودمج كتب اليافعين في المدارس حتى تصبح القراءة عادة يومية لا مجرد نشاط عابر. كل ذلك يرسخ حقيقة أن الأدب ليس ترفاً، بل شريان يمر عبر الأجيال كأداة تكوين وتغيير.
ويتجاوز أثر هذا الأدب حدود الصفحات إلى حياة كاملة، فهو على المستوى الاجتماعي يبني جيلًا أقدر على فهم ذاته ومجتمعه، وعلى المستوى الثقافي يغني المشهد الأدبي برؤية شابة تعيد تعريف معنى الإبداع. وعلى المستوى النفسي يمنح القارئ قوة وثقة بالنفس حين يجد في الشخصيات الخيالية صدى لمعاناته الخاصة، فيشعر بأنه ليس وحيداً في معركته مع العالم.
كما يمتد أثره إلى الاقتصاد ذاته، لأن سوق أدب اليافعين قوة عالمية هائلة، تدفع الناشرين والكتاب إلى استثمار الجهد والوقت في هذا الميدان.
إن أدب اليافعين هو أدب المستقبل بلا منازع، ويستهدف من لم يكتمل وعيهم بعد لكنهم يحملون شرارة الغد وفضاء يعلم الأجيال كيف تكتب قصتها وكيف تبني عالماً أكثر عدلاً وجمالاً.