هل دخلنا عصراً أدبياً جديداً؟ في الحقيقة، لقد بدأ بُعيْد ظهور الذكاء الاصطناعي. قبل بضع سنوات ذكر العمود أن فريقاً من الفرنسيين أوكلوا إلى حاسوب عملاق فحص أعمال المسرح الشعري لرائد التراجيديا جان راسين (القرن السابع عشر)، فاكتشفوا مواضع الانتحال. دعا القلم آنذاك، بل تمنّى أو توهم أن تُجاب دعوته إلى استخدام الحواسيب العملاقة، وما أكثرها في العالم العربي، (العود في أرضه نوع من الحطبِ)، لإجراء فحوص سريرية لميراث تاريخ الأدب العربي، شعراً و نثراً.
من جديد هذا العصر الأدبي، ما ليس مرتبطاً بمكتسبات الذكاء الاصطناعي، فقد نشر موقع «غريك ريبوتر» (4 أكتوبر)، مقالاً ضافياً، تحت عنوان: «دراسة تستخدم الرياضيات لكشف زمن كتابة هوميروس الإلياذة». أشار النص إلى وجود طرائق عدّة متبعة، كفحص اللوحات الفنية على الجِرار وغيرها من الفخّاريات، والنصوص التي تتناول معاصري هوميروس. أمّا عن استخدام الرياضيات، فهذا ما لا يباع في سوق، ولا يوجد مطروحاً على الطريق.
لم يعد من شك في أن مكوّنات الثقافة والعلوم تتقارب بإيقاع متسارع، لكنه كتقارب القارات نحو التلاحم. العلوم في ما بينها تتحوّل إلى منظومات من العلوم المتعددة التخصصات، والعلوم الإنسانية غدت بينها وبين العلوم شعرة : صار التاريخ مع الإناسة والإحاثة والوراثة والأحياء والكيمياء والفيزياء، في سلّة واحدة. أصحاب صيحة الرياضيات في النقد الأدبي وتحليل النصوص، باحثون من «جامعة ريدنغ» البريطانية المرموقة، عكفوا على مقارنات بين ثلاث لغات متجاورة: اليونانية الهوميروسية، اليونانية الحديثة والحثية في الأناضول في عصر البرونز. كلها لغات هندو أوروبية، وللأخيرتين صلة وراثية بلغة الشاعر. على النقاد ومؤرخي الأدب أن يتنبّهوا ويكونوا يقظين، خشية أن يوضعوا على الرفّ.
المنهج مذهل في منهجيته، من ذلك ملاحظة السرعة التي تتغيّر بها المفردات عبر الزمن، أي بمعايير علم تطور المعاني أو الدلالة. لتقريب المقصود: السبب في العربية قديماً يعني الحبل، لكن، متى صار للسبب مفهوم الرابط بين طرفين؟ تخيّل مثلاً ورود السبب بمفهومنا، قبل حدوث تطوّر المعنى.
ما الذي يمنع الأوساط الأدبية العربية، من ريادة هذه الآفاق البعيدة الرائعة في ثقافتنا؟ ملحمة جلجامش، سيف بن ذي يزن، ألف ليلة وليلة، بحوث إلى اللانهاية في أشعار الجاهلية والعصور الإسلامية، ومآثر النثر. أمّا التاريخ فتحتاج دراساته إلى تاريخ.
لزوم ما يلزم: النتيجة النكدية: أساتذة الرياضيات والفيزياء العرب، تُركوا بعيداً من معتركات التنمية، فلعلهم يظفرون بمشغلة في الأدب.
[email protected]
الرياضيات تدخل ملاعب الأدب
6 أكتوبر 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 أكتوبر 2025 00:10 صباحًا
شارك