عبدالله السويجي
من يتابع الأخبار سيستغني عن فقرة التحليل، إذا كان صاحبها محلّلاً سياسياً أو معلّقاً إخبارياً، أو أحد مراسلي المحطة. ومن يريد معرفة الفرق بين المحلّل العربي والغربي أو الأجنبي، ما عليه سوى متابعة قنوات متعدّدة ومتنوّعة أو مستقلة قدر الإمكان، ليكتشف الفرق بين الرأي وبين إعادة سرد الأخبار من جديد، وليكتشف الفرق بين الرأي وبين الشعارات والترويج للأيديولوجيا المدسوسة في التحليل، وأخيراً، ليكتشف الفرق بين المهني والمتطفّل على المهنة.
لعلّي دخلت سريعاً في صدام مع المحللين التلفزيونيين والإذاعيين العرب، وهو صدام جميل إذا التزم كل طرف الموضوعية واحترم الرأي الآخر، وأفهم جيداً أن لكل محطة تلفزيونية أو قناة فضائية ممولين لديهم أجندات معيّنة، وعلى المحلّل أن يضع هذا في الحسبان كي يحافظ على ظهوره والاستفادة من ذلك. لكن المشكلة تكمن في المحلّلين المقيمين أو المتعاقدين، وهؤلاء لا يظهرون إلا في أوقات الحروب والأزمات والقضايا الساخنة، فإمّا يلتزمون معايير الموضوعية، وإما يضلّلون، كما حدث مع المقاتلين في قطاع غزة أو الضفة الغربية، حين تم تضخيم قوتهم حتى ظننا أنهم جيش مغوار لا يمكن هزيمته، وهذا في حدّ ذاته تحريض عليهم، الأمر ذاته ينطبق على تضخيم قوة الدول وجهازها الأمني، فإذا بها تقع مهزومة بين يديّ مجموعات مسلحة متطرّفة، ورأينا هذا في أكثر من بلد في خضم ما يُسمّى ب«الربيع العربي».
الإعلام الكلاسيكي لا يزال يكرر ذاته ويجتر مكوّنات النشرة الإخبارية أو التحقيق التلفزيوني المصوّر، إذ لا بد من وجود اتصال بالمراسل، الذي غالباً ما يكرّر ما ذُكر في النشرة، أو الاتصال بالمحلل الذي يكرّر ما ذكره المراسل، أو استطلاع رأي رجل موجود في الاستوديو، أو أخذ رأي أي شخص غير المذيع، وغالباً ما يكرّر هؤلاء المعلومة، أو يلخّصون الأحداث، أو يضخّمونها، وتنتهي نشرة الأخبار والجميع يدور في فلك واحد.
هناك مثال قريب على ذلك، ما أُطلق عليه «أسطول الصمود»، المكوّن من أكثر من أربعين سفينة أبحرت من أكثر من ميناء، وهدف الأسطول هو كسر الحصار عن قطاع غزة. فمن تابع تقارير المراسلين سيظن أن هذا الأسطول الضخم سيحرر فلسطين، وتحدث المراسلون عن عدد السفن والمشاركين وجنسياتهم وما يحملون من مؤن. وأي محلل مبتدئ يعلم أن إسرائيل ستهاجم سفن الأسطول وتعتقل البحارة وتقودهم إلى اليابسة ثم ستعمل على تسفيرهم، وهذا ما حصل، أما المراسلون الذين كانوا يرافقون سفن الأسطول فقد رسموا صورة متفائلة وطموحة وقوية، وأن إسرائيل لن تُقدم على مهاجمته، لكن ما حدث بعد ذلك كان مخيّباً للآمال.
نتذكر الآن، وفي السياق ذاته، كيف كان أحمد سعيد يتحدث في إذاعة صوت العرب في حرب 1967، ففي الوقت الذي كان يهدّد برمي إسرائيل في البحر، كانت إسرائيل تحتل شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، والضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي من كان يستمع للمذيع أحمد سعيد أصيب بخيبة أمل وصدمة عمره، والأمر ذاته حدث مع الوزير العراقي الصحّاف، الذي كان يصدر بيانات عسكرية بصد الجيش الأمريكي، بينما كان الأخير يحاصر بغداد ويدخلها، وتستسلم له الألوية.
لعل المتابع يلاحظ أن معظم الحروب التي نقلتها وسائل الإعلام العربية والمحللون كانت تنتهي بهزيمة، حروب بين دول، أو حروب بين جماعات مسلحة ودول أخرى، وهذا ما جعل كثيرين يتهكّمون فيما بعد على المحلّلين (الثوريين)، الذين (زرعوا البحر بطيخاً) كما يقال في الأمثال، والمشكلة أن القنوات الفضائية لا تزال تتّبع الأسلوب ذاته، وبعض الناس يصدّقون.
لقد نتج عن هذا المنهج الإعلامي نتائج سلبية: هناك فئة لم تعد تستمع للمحلّلين لأنهم (سطحيون أو مضلّلون..)، وهناك فئة لم تعد تسمع الأخبار، وهناك فئة ثالثة، تكتفي بتحليلها الخاص وتقييمها الشخصي للواقع السياسي، وفي كل الأحوال فإن الأمر، سلبي للفئتين الأولّيين، وخاصةً أيضاً أن الإنسان العربي كائن سياسي من الدرجة الأولى، ومن لا يهتم بالسياسة فإنه يشاهد نشرة أخبار واحدة في اليوم، أو يتابع من خلال جوّاله.
بعض المحلّلين، في جلساتهم الخاصة، يعترفون أن رأيهم ليس ما قالوه في التلفزيون، لكن سياسة التلفزيون اقتضت ذلك، يقولون ذلك، حين تخيب توقّعاتهم (وقد خابت مراراً وتكراراً)، وذلك للتنصّل من المسؤولية، لكنهم لا يعلمون أنهم يرتكبون خيانة عظمى، لأنفسهم ولبلادهم.
هناك فئة ذكية من المحلّلين، وهي الفئة المثقفة التي تمتلك لغة تعبيرية عالية، وهذه الفئة تقوم باللعب على المفردات، فتخترع العبارات الرنانة والذكية، وغالباً ما تكون ذات وجهين، وهو أمر لا يكتشفه كل الناس.
المراسل الصحفي كالجندي، والمحلل كالقائد، لأنه مفكّر استراتيجي، فلا يجوز أن يكرر القائد كلام الجندي، ولا يجوز للقائد الترويج لمعطيات مخالفة للواقع، حتى لا يُتّهم بالتضليل، والتآمر، وكونه ينفّذ سياسات المؤسسة الإعلامية لا يعفيه من المسؤولية، لأنه عملٌ عام يتعلّق بمشاعر الشعب والجماعة، وأحياناً بمصيرهم ومستقبلهم. فمتى ستتطور بعض القنوات الفضائية، وتغيّر من مناهجها الإخبارية.