الاستدامة، مفهوم ليس بالجديد، ليس بفكر اخترعه البشر في العالم الحديث، بل هو أصل خلق سيدنا آدم، حين نزل إلى الأرض مع أمنا حواء ولقب بـ«الخليفة»، المصطلح الذي تقوم عليه كل علوم البيئة والاستدامة، خليفة يخلف في هذه الأرض، يعمرها، يطورها ويبني فيها، يعيش بما خلقه الله له من موارد وإمكانات، لا يدمر، ولا يستنزف، ولا يتمادى.
يقلقني، بل يزعجني اليوم الفهم المقصور للاستدامة، والذي في عقول الكثيرين فقط مرتبط بالمحافظة على البيئة والاقتصاد، وجهل كبير بأن الجوهر والمحور هو الإنسان، بعد أعوام من مغالطات ومحاولات وتجارب في أن يكون عامل «البيئة» المحور، تراجعت المفاهيم مرة أخرى لتؤكد أن الإنسان هو المحور لأسباب مهمة، هي أنه متى ما استقر الإنسان، وفهم السبب الحقيقي من وجوده تجرّد من أنانيته، وطمعه، وفكر بتوازن في كيفية أن يجعل من وجوده أثراً وبصمة، في خدمة المجتمع، سواء مجتمعه الصغير، محيطه عائلته، ومن ثم الانطلاق للعالم الأكبر ليصبح له بصمة، ويكون مؤثراً في حياة من حوله، وجزءاً من منظومة الكون الكبرى.
تعلم المفاهيم الثلاثة: البيئة، الاقتصاد والعامل الاجتماعي، وربط الأشياء في فهم عميق، وأقصد بالعميق أن يتعلم الكل التفاصيل، ولا يكون فقط إمّعة يردد كلمة «استدامة» في كل منطوقة وكأنه «ببغاء» يمشي مع «الترند»، دون وعي ودون إدراك لما يفعل، وهذا رجاء ممن تعب من المغالطات، تعلم، ثقف نفسك، وازن، حلل واربط الأشياء دون تكبر!
خُلقنا لنتعلم، لنكون مختلفين عن سائر ما خلق الله على هذه الأرض، لكن ما أراه اليوم من غثاء وجهل في استخدام مفهوم «الاستدامة» يجعل المستقبل مقلقاً، ويجعل، يقيناً، ثقتنا بما يدور ويقال حولنا مزعزعاً، لا أقصد الكل بل البعض؛ لأن هناك الكثيرين ممن تعب لأن يفهم ويتعلم ومن ثم، يجرب، يطبق ويختبر بنفسه النتائج قبل أن ينطق في كل محيط وزمن ويباهي دون إرث ووزن واستعداد!
سيأتي يوم وهو كالحلم، أن تكون الكلمة واقعاً حقيقياً في مفاهيم البشر، في استيعابهم لما يجري حولهم، في ربطهم للكثير مما يقومون به، في نية حقيقية للتغيير وليس للتباهي وتحصيل فرص وقتيه، سيأتي يوم وهو الأمل في أن يكون الواقع مستقراً ولا نحتاج حتى أن نعيد ترديد «الاستدامة»، وما يأتي معها من معاجم ومصطلحات وأفكار وتوجهات، سيكون ذلك الوقت هو العودة لما خُلقنا لأجله، ولأن نكون «خليفة» الله في أرضه بما علّمنا في كتابه الكريم، وثقافة نبيه الكريم، صلى الله عليه وسلم؛ لتكون الاستدامة علماً وممارسة حياة.

[email protected]