إذا صحت التقارير بأن مصر والولايات المتحدة الأمريكية تخططان لعقد قمة استثنائية تجمع عدداً من القادة في مدينة شرم الشيخ، فإن هذه الخطة ستحمل تطوراً إيجابياً إلى المنطقة بعد الاتفاق على إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، التي أحدثت تداعيات جيوسياسية بعيدة المدى طالت العالم كله وليس الشرق الأوسط فحسب.
وفق التكهنات والتسريبات فإن هذه القمة ستعمل على حشد الدعم الدولي لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة، ومن المفترض أيضاً أن زيارته إلى المنطقة خلال الساعات المقبلة ستبعث برسائل طمأنة، وستعطي الخطة زخماً أكبر، مستفيدة من الدعم الدولي غير المسبوق. فللمرة الأولى منذ عقود تتفق كل القوى العالمية الكبرى والدول الإقليمية على إنهاء الحرب المشينة التي نفذتها إسرائيل وشهدت أبشع جرائم الإبادة وأفظع صور التهجير والتجويع، وهي المشاهد التي قلبت العالم رأساً على عقب، وغرست في عقول الأجيال الجديدة وعياً صارخاً يرفض العدوان بكل أشكاله، ويدعم الشعب الفلسطيني ويعترف بدولته المستقلة دون أي تحفظ أو تردد، وهو ما ظهر بوضوح في الأسابيع القليلة الماضية مع الاعترافات المدوية بالدولة الفلسطينية من دول مؤثرة في العالم مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، وحتى الموقف الأمريكي الرافض للاعتراف بدأ يتزحزح من جموده، مع إطلاق ترامب إشارات تفيد بأن إسرائيل لن تستطيع مواجهة العالم، وأن واشنطن ستحترم التزامات الدول الأخرى وتمسكها ب«حل الدولتين»، سبيلاً وحيداً لإنهاء الصراع المزمن في المنطقة.
بعد أن بدأت الحرب على غزة تضع أوزارها، يجب الاستفادة من الدرس بإيجاد الضمانات والحلول الملزمة بمعالجة أسباب الصراع حتى لا تتكرر المشاهد المؤلمة التي تابعها العالم وعاناها عامين ويومين. وقد يكون التوصل لاتفاق ينهي الحرب إنجازاً فارقاً ولحظة مفصلية في تاريخ هذا الصراع، ولكنه ليس كافياً، فحتى الآن، لم يتم التوافق بعد على بقية مراحل خطة السلام التي عرضها الرئيس الأمريكي، ولم يتم التوافق على مسائل جوهرية عالقة، مثل إعادة الإعمار وتدفق الإغاثة والأمن والمستقبل السياسي لقطاع غزة ضمن الدولة الفلسطينية المنشودة. ومثل هذه القضايا لا يمكن حسمها إلا بحضور الدول الفاعلة والضامنة لحل الصراع، وأهمها الولايات المتحدة، رغم ما يبدو من تردد لديها في التعهد بالتزامات تخدم التوجه الدولي الرامي إلى تطبيق «حل الدولتين»، الذي لا رجعة عنه ولا بديل له، وقد أحيته الحرب الإسرائيلية على غزة، ودفعته إلى صدارة الدبلوماسية العالمية.
القضية الفلسطينية، وبعد المعاناة والتضحيات التي قدمها أهل غزة، لم تعد قضية إقليمية أو صراعاً منسياً، بل أصبحت قضية وطنية وداخلية في كل بلدان العالم تقريباً، وخصوصاً في دول، مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وكندا، التي كانت حتى وقت قريب لا تسمع إلا الروايات الكاذبة للدعاية الإسرائيلية، أما اليوم فقد تغير كل شيء، وسقطت تلك الروايات ولم يعد لديها مريدون إلا قلة، بينما تستقطب السردية الفلسطينية مزيداً من الأنصار، ويتسع زخمها يوماً بعد يوم عبر العالم وتسكن الضمير الإنساني، وهو ما يستوجب تحركاً دولياً فاعلاً وملزماً لترجمة التطلعات المشروعة وإنهاء مظلمة الشعب الفلسطيني بعد الاختراق التاريخي بإنهاء الحرب على غزة.