عبدالله السويجي

إحساس ما بعد الحرب، هو الإحساس بالرصاصة بعد اختراقها اللحم والعظم، المصاب لا يشعر بالألم دفعة واحدة، أو في لحظة الإصابة، إنما بعد استقرار الرصاصة في الجسد وبرودها، ثم رؤية الدم وتهتّك اللحم وتكسّر العظم، ثم الإحساس بدنوّ الموت واقتراب النهاية، ثم التفكير بالأهل، الأب والأم والأولاد والأصدقاء.
وهكذا الحرب، لا نرى دمارها الحقيقي في أثناء المعارك، الناس مشغولون بدفن الأموات وإسعاف الجرحى وإيواء اليتامى، ومنشغلون بتحضير الطعام للجوعى والثياب للبردانين، والأماكن الآمنة للضائعين، الناس لا يفكرون إلا في يومهم، أما حين تنتهي الحرب، فإن الكارثة تتضح أكثر، والحقيقة تنجلي، ويمكن تشبيهها بانهيار سد ضخم، حيث تأخذ المياه في طريقها البشر والحيوانات والشجر والسيارات وكل شيء، وحين تنحسر المياه وينخفض منسوبها، تبدأ الضحايا بالظهور، البشر والحيوانات والأدوات الأخرى، النهاية هي الغطاء الذي ينكشف عن المصيبة.
قبل يومين، توقّفت الحرب في قطاع غزّة، وذلك بعد عامين من القتل والموت والدمار والضياع والجنائز للطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، لكن الجانب الفلسطيني تكبّد خسائر أكثر بكثير في الأرواح والممتلكات لأسباب تتعلق بعدم توازن القوى، والطبيعة الجغرافية، والإعلان عن الخسائر، إذ من المعروف أن إسرائيل لا تعلن عن الخسائر الحقيقية للحرب في أثناء الحرب، وتترك المسألة لما بعد الحرب، بعد هدوء العاصفة، فتتضّح الخسائر المنظورة وغير المنظورة، وبما أننا لا نعرف كثيراً مما يحدث في المجتمع الإسرائيلي، ونعرف أكثر بكثير ما يحدث في المجتمع الفلسطيني، نظراً للبيانات الصادرة عن وزارة الصحة، والهلال الأحمر، والأونروا، واليونيسيف، والمجتمع المدني. والإسعاف والمستشفيات وغيرها.
فالخسائر المنظورة ليست دقيقة حتى الآن، ولكن التقارير تقول إن 80% من المباني في غزة غير صالحة للسكن، والبنية التحتية تم تدميرها بالكامل، وهناك 10 آلاف مفقود، و79 ألف ضحية، ثلثهم من الأطفال والنساء، وعشرات آلاف الجرحى، وهناك 2500 عائلة تم شطبها من السّجلات المدنية، إضافة إلى مئات الألوف من النازحين الذين سُحقت بيوتهم أو هُدّمت.
لكنّ هناك وجهاً آخر للصراع، هناك خسائر غير منظورة قد تكون أكثر إيلاماً من الخسائر المنظورة، فمن مات مات، لكنّ هناك بشراً أحياءً وأموات، هناك بشر فقدوا طرفاً أو أكثر، وهذه الخسائر لا تُحصى بالأرقام، ولا تُعرض في نشرات الأخبار، لكنها تترك ندوباً عميقة في الوجدان، وتُعيد تشكيل المجتمعات من الداخل، وحرب غزة مثال صارخ على هذا النوع من الخسائر التي لا تُحتسب، فهناك عائلات لم تعد موجودة، والحرب مسحت وجودهم من الذاكرة، لننظر أكثر في الخسائر غير المنظورة، ومن بينها الندوب النفسية، وهي جراح لا تُرى، فالحرب لا تقتل فقط، بل تخلّف أجيالاً من الناجين المثقلين بالصدمة. الأطفال الذين عاشوا تحت القصف، فقدوا ذويهم، أو رأوا الموت بأعينهم، يعانون اضطرابات نفسية حادّة: كوابيس، قلق، تبول لا إرادي، وانفصال عن الواقع. أما الكبار، فبين من فقد أسرته، ومن خسر منزله أو عمله، تتراكم مشاعر العجز واليأس، ما يهدد بتفكك اجتماعي طويل الأمد.
ومن بين الضحايا، آلاف من الأطباء والمهندسين والمعلمين والطلاب. هؤلاء لم يكونوا مجرد أفراد، بل كانوا مشاريع حياة، وأحلاماً مؤجلة، ومساهمين محتملين في بناء مستقبل أفضل. خسارتهم تعني ضياع سنوات من التعليم والخبرة، وتأخيراً في مسيرة التنمية لعقود.
ومن جهة أخرى، لقد دمّرت الحرب البنية الاجتماعية، دمّرت المدارس والمستشفيات والمراكز الثقافية، ودمّرت أيضاً ما هو أعمق، مثل الثقة، والأمان، والانتماء، فكيف يمكن لطفل أن يثق في العالم بعد أن رأى منزله يُقصف؟ كيف تبني أم مستقبلاً لأبنائها وهي لا تعرف إن كانوا سيبقون على قيد الحياة؟ هذه الأسئلة لا تجد إجابات عنها في تقارير الإغاثة، لكنها تعيش في كل بيت غزّي.
إن ما يشكل اعتداء على الأموات والأحياء الباقين، هؤلاء المنظّرين المتحدّثين عن (ثمن النضال) أو (ثمن الحرية)، غير عابئين بأوضاع الناس ومعاناتهم ومكابداتهم العضوية والنفسية، وهناك من يهوّن من ضحايا الحرب، ويعتبرونها (ضرورة نضالية)، هؤلاء يختزلون الحرب في شعارات أو حسابات سياسية، يتناسون أن كل قذيفة تسقط، لا تقتل فقط، بل تسرق الطفولة، وتغتال الأمل، وتزرع الكراهية في القلوب.
ولو دقّقنا أكثر في الخسائر غير المنظورة، سنجد أن آلاف الأطفال باتوا بلا أوراق ثبوتية بعد مقتل ذويهم، ما يهددهم بالضياع القانوني والاجتماعي، وهناك عائلات تفرّقت بين الدول والمخيمات، وهناك أطفال نشأوا بلا آباء أو أمهات، وهذا سينتج عنه أجيال تعاني فقدان الانتماء، وهناك الناجون من القتل وشاهدوا أقرباءهم يموتون، سيعانون صدمات نفسية وعذاب ضمير طوال الحياة.
نتائج الحرب ليست ما تنشره القنوات التلفزيونية، ولا المؤسسات الإعلامية، هناك خسائر لا تستطيع أي وسيلة إعلامية نشرها، لأنها تتطلب روحاً إنسانية ترى ما خلف الأجساد والعيون، وبالتالي فإن الخسائر غير المنظورة تبقى كندوب في الذاكرة المجتمعية، لا تندمل بسهولة.
إن عمل الوسيلة الإعلامية يبدأ الآن، بالبحث عن أصحاب القصص والحكايا الذين يعانون بصمت.

[email protected]