عبد الإله بلقزيز
يختلف معنى التّسلّط عن معنى الاستغلال في مفهومه النّظريّ، حيث ينتمي كل منهما إلى حقلٍ مختلف عن الثّانيّ (حقل العلاقات الاجتماعيّة العامّة، حقل عمليّة الإنتاج المادّي)، لكنّ معنى الأوّل يظلّ أشمل وأوسع دائرةً من معنى الاستغلال بل هو يستغرقه إلى حدٍّ مّا. هكذا يغدو ممكناً تعريف الاستغلال بما هو فعْلٌ من أفعال التّسلّط الاجتماعيّ يجري في حقلٍ اجتماعيّ محدّد هو حقل الإنتاج. هو تسلُّطٌ، إذن، من جهة كونه استحواذاً على قسمٍ من قيمة العمل لا يخضع للعلاقة الأجْريّة القائمة بين المالك لوسائل الإنتاج - فرداً كان أو مؤسّسة إنتاجيّة - والمنتِج أو العامل الأجير.
قد لا يقدّم هذا الاستحواذ نفسَه في صورة سرقة بالقوّة المجرّدة لفائضِ قيمةٍ يعود إلى صاحبه، بلِ الغالب عليه أن لا يتمظهر في هذه الصّورة من العنف، لكنّ ذلك التّخفّي لفعل الإِرغام لا ينفي التّسلطيّةَ عن الاستغلال: هذه التي تكمن في صلب تكوين العلاقة الأجْريّة بين المالك وقوّة العمل، حيث العملُ المأجور وصاحبُه مغلوبٌ على أمره في هذه العلاقة التي لا يتحكّم فيها، وحيث مبدأ الرّبح متزوِّدٌ بالمورِد الحيويّ الذي يؤمِّن له فُرص التّحقّق، ويتمثّل في قوّة الرّأسمال المستثْمَر وفي ما يفرضه استثمارُهُ في الإنتاج من شروطٍ لا يمكن شطبها وإنّما، في أحسن الأحوال، تعديلُها وتحسينُها على مثال ما تسمح به المطالبةُ بالزّيادة في الأجور. هكذا يفرض الاستحواذ على القيمة الزّائدة نفسَه بوصفه تسلّطاً على قسمٍ من العمل المنتج.
لقد وُجد، دائماً، ما هو أسوأ من استغلال قوّة العمل في عمليّة التّسلّط الاجتماعيّ ودُرِجَ عليه حتّى بات «مألوفاً» أو شبه مألوف لدى من كانوا من ضحاياه، ومن ذلك السُّخرةُ في أعمال اجتماعيّة- اقتصاديّة شاقّة في الغالب. على أنّه يخطئ كثيراً مَن يعتقد أنّ نظام السُّخرة ينتمي إلى أزمنةٍ قديمة انصرمت، وأنّه زال بزوالها أو ربّما لم يبق من مظاهره سوى القليل الذي لا يسمح بالحديث عن استمراره كنظام...إلخ. نعم، صحيحٌ أنّه اقترن بالأزمنة القديمة والوسيطة - من حيث هو من مواريث أحقاب العبوديّة في التّاريخ - لكنّ ظهور المدنيّة الحديثة، منذ قرون، لم يضع حدّاً له بل غالباً ما أبقى عليه وأعاد إنتاجه بوصفه نظاماً مغرياً وغيرَ ذي تكاليف. ولقد وُجِدت، دائماً، حِيّلٌ متعدّدة لتقنيع السّخرة بأقنعة تخفي بشاعاتها وتعلاّتٍ لا حصر لها من جنس اقتضاءات المصلحة العامّة والمصلحة الوطنيّة وما شاكل ذلك من تسويغاتٍ ومحسِّنات.
في المقابل، كثيراً ما عَوِصَ أمرُ الاحتجاج على السُّخرة أو التّنديد بها - من قِبَل ضحاياها ومناصريهم - كلّما تعلّقت بإنجاز مصلحةٍ مّا جامعة، مخافةَ أن يبدوَ مثلُ ذلك الاحتجاج دعوةً إلى التّحلُّل من أداءِ واجبٍ إنسانيّ. لذلك، بات يُحْرَصُ على تهذيب التّعبير عن أفعال السُّخرة، في عصرنا الحاضر، من طريق تسميّتها بالعمل «التّطوّعيّ» وحسبانها من أفعال التّضامن الاجتماعيّ والتّضامن الوطنيّ، بل وإحداث مؤسّساتٍ لها خاصّة تصل، أحياناً، إلى حدّ تكريس وزارات بهذا الاِسم.
تدلُّنا التّجربةُ الإنسانيّةُ المريرةُ مع أعمال السُّخرة على حجم معاناتها عند مَن وقعتْ عليهم أعمالُها، فما أكثر الطُّرق السّهليّة والجبليّة التي شُقّت، في العصر الحديث، لتيسير مرور المرْكبات والقطارات بأعمال السّخرة الجماعيّة، وما أكثر الأراضي التي استُصلحت من أجل الزّراعة، بتنقيتها من الأحجار السّطحيّة والجوفيّة، بأعمال السُّخرة، وما أكثر الصّخور التي كُسِّرت وقُطِّعت قطعاً - لتوظيفها في البناء - بأعمال السّخرة...! حتّى مجاري الأنهار شُقّ كثيرٌ منها بواسطة أعمال السّخرة، عدا بناء الأسوار والقلاع والعمل في المزارع الكبرى وعَتْل الأحمال الثّقيلة وما شابه هذه من شواقِّ الأعمال التي توسَّل مستغِلّوها أعمال السّخرة، حتّى أنّ أكثر ما خرج إلى الوجود والخِدمة من كبير المنجزات المادّيّة - في أعمال البنية التّحتيّة على وجْهٍ خاصّ - إنّما من عملِ السُّخرة مَأْتَاه.
فَعَل ذلك، ابتداءً، المستعمِر في بلدان المستعمَرات، ثمّ ما لبثتِ السّلطاتُ المحليّة، التي قامت بعد جلائه، أن سلكتِ السّبيل عينَه في الكثير من أوراش العمل الكبرى، فكان المبرِّرُ لهذا هو عينُه ذاك الذي لم يكد يوماً أن يتغيّر: المصلحة العامّة. ولكن، إذا كان يمكن تسويغ أعمال السُّخرة بالصّالح العامّ في حالِ قيام الدّولة بالدّعوة إليها وحمْل النّاس عليها، فكيف لهذه الأعمال أن تكون مشروعةً إنْ حَمَل عليها ملاّكون خواصّ أو مؤسّساتٌ وشركاتٌ خاصّة ففُرِضت على النّاس كَرْها وسِيقوا إليها عَنوةً وليس لهم من مصلحةٍ فيها؟!
من البيّن أنّ السُّخرة شكلٌ من أشكال التّسلّط الاجتماعيّ والظّلم والاستعباد ليس يضارعها في العنف والإكراه والبشاعة أيُّ تسلُّطٍ اجتماعيّ آخر، بل إنّها تنطوي على احتقارٍ صريحٍ لإنسانيّة الإنسان حيث تسلُبه جوهرَها الذي صنعها: العمل، وتسلبه منه من طريق سلبه حقَّه فيه. وهي لا تُقارَن في هذا بالاستغلال أبداً، لأنّ الأخير، على فداحة ظلْمه، يقترن بعملٍ مأجورٍ يُقابل قسماً من العمل بالمكافأة، أمّا السُّخرة فمن غير مقابل والخاضع لها شأنُه في امتهان كرامته شأن الحيوان. إنّها قهْرٌ اجتماعيّ يصطاد ضحاياهُ من المهمَّشين والمحرومين من الذين قد يسترخصون العمل في أعمال السّخرة لقاء وعدٍ بعملٍ مدفوع الأجر... أو لقاءَ سدّ الجوع...
abdilkeziz29@ gmail.com