في الثالث عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، يتحد العالم لإحياء اليوم العالمي للحد من الكوارث، وهي مناسبة تتجاوز كونها احتفالاً رمزياً إلى كونها دعوة للتفكير والعمل الجماعي من أجل حماية الإنسان من الأخطار الطبيعية والبيئية التي تتزايد وتيرتها وتعقيدها مع مرور الزمن.
فهذا اليوم يمثل تذكيراً بأن الوقاية ليست خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية في زمن أصبحت فيه الكوارث أكثر تكراراً وأشد تأثيراً على المجتمعات والاقتصادات والبشر. لقد أثبتت التجارب أن الكارثة لا تقتل فقط، بل تعطل التنمية وتعمّق الفقر وتهز استقرار الدول والمناطق. ومن هنا تبرز أهمية هذا اليوم العالمي كمنصة لتأكيد التزام الحكومات والمؤسسات والأفراد بالعمل الوقائي وبناء القدرة على الصمود في وجه الأزمات.
في العقود الأخيرة، لم تعد الكوارث تقتصر على الزلازل أو الفيضانات أو العواصف، بل أصبح تغير المناخ أحد أكبر مولداتها. ارتفاع درجات الحرارة، وحرائق الغابات، وذوبان الجليد، وشحّ المياه، جميعها مظاهر تشير إلى أن الخطر لم يعد بعيداً عن أي دولة. والوعي بهذه التحديات يجب أن يقود إلى العمل المشترك عبر تطوير أنظمة إنذار مبكر، والاستثمار في البنية التحتية المقاومة، وتعزيز ثقافة السلامة في المدارس والمجتمعات.
فالتجارب أثبتت أن الوقاية تكلف أقل بكثير من إعادة الإعمار بعد الكارثة، وأن الإنفاق على الاستعداد المسبق هو أفضل استثمار في حياة الناس وأمنهم واستقرارهم.
وفي خضم هذا المشهد العالمي المضطرب، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج فريد يجمع بين الوقاية والعطاء الإنساني، فهي لم تنظر إلى الكوارث من منظور محلي فحسب، بل تعاملت معها كقضية إنسانية عالمية تستوجب التعاون والمساعدة المتبادلة. ومنذ تأسيسها على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تبنّت الدولة فلسفة قوامها أن الإنسان هو محور التنمية، وأن مساعدة المحتاج واجب أخلاقي وإنساني قبل أن تكون التزاماً دولياً. هذه الفلسفة تحوّلت إلى نهج راسخ في سياسة الدولة بفضل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي جعل من العمل الإنساني والإغاثي جزءاً من هوية الإمارات ورسالتها للعالم.
تُعد الإمارات اليوم من أكبر المانحين في العالم في مجال المساعدات الإنسانية والإغاثية، فقد وصلت مساعداتها إلى عشرات الدول في مختلف القارات، وشملت الغذاء والدواء والتعليم والبنية التحتية وإعادة الإعمار بعد الكوارث. لكن ما يميز التجربة الإماراتية هو أنها لا تكتفي بإرسال المساعدات العاجلة، بل تبني منظومة إنسانية متكاملة توازن بين الإغاثة السريعة والتنمية المستدامة. وتقوم مؤسسات مثل الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية بدور فاعل في دعم المجتمعات المنكوبة، ليس فقط بتقديم العون المادي، بل بإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمساكن، ما يعيد الأمل والحياة للناس بعد كل أزمة.
وعندما تقع الكوارث في أي مكان في العالم، تكون الطائرات الإماراتية أول الواصلين إلى المناطق المنكوبة، حاملة معها المساعدات والمعدات والفرق المتخصصة في الإنقاذ والإغاثة. وقد أصبح مشهد العلم الإماراتي وهو يُرفع في أماكن الكوارث مشهداً مألوفاً يرمز إلى الأمل والعطاء. كما أن الدولة أنشأت المدينة الإنسانية الدولية في دبي، وهي أكبر مركز لوجستي إنساني في العالم، وتضم عشرات المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في مجال الإغاثة. هذه المدينة جعلت من الإمارات محوراً عالمياً لتنسيق الجهود الإغاثية، ووفّرت الزمن والتكاليف في إيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة، ما ساهم في إنقاذ حياة آلاف البشر في أوقات الأزمات.
إن اليوم العالمي للحد من الكوارث ليس مجرد ذكرى لتقليل الخسائر، بل دعوة لتجديد الالتزام الأخلاقي والإنساني تجاه البشرية. والإمارات العربية المتحدة، من خلال نهجها الإنساني، تجسد هذه الرسالة بكل أبعادها، فهي دولة تؤمن بأن الوقاية لا تقتصر على حماية حدودها فقط، بل تشمل حماية الإنسان أينما كان. فالعطاء الإماراتي هو في جوهره وقاية عالمية، لأنه يسهم في بناء قدرات الدول والمجتمعات على مواجهة الكوارث قبل وقوعها، من خلال التنمية والتعليم وتمكين الإنسان.
وتكمن عظمة التجربة الإماراتية في أنها لا تفرّق بين الدول الغنية والفقيرة، أو بين الشعوب المتقدمة والنامية، فكل إنسان في نظرها يستحق النجدة والمساعدة، نجد بصمة الإمارات حاضرة في المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء والمياه النظيفة. إنها تقدم المساعدة من دون شروط، وتغيث من دون انتظار المقابل، لتؤكد للعالم أن الكرامة الإنسانية لا تُجزأ، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تعرف الحدود.
يحق للعالم أن يتأمل في التجربة الإماراتية بوصفها دليلاً حياً على أن العمل الإنساني هو أعظم أشكال الوقاية. إنها دولة آمنت بأن الإنسانية ليست هامشاً في السياسة، بل هي جوهرها، وأن بناء عالم أكثر أماناً يبدأ من قلبٍ يؤمن بالخير، ويدٍ تمتد للعون، وعقلٍ يخطط للوقاية قبل الفاجعة. وهكذا تبقى الإمارات، في كل محفل وميدان، درعاً واقية للعالم بأسره.
الطائرات الإماراتية أول الواصلين
14 أكتوبر 2025 00:29 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 أكتوبر 00:29 2025
شارك