خالد راشد الزيودي *

ليست هذه المرة الأولى التي تختار فيها إيران طريق الإرهاب، لكنها ربما المرة الأكثر وضوحاً في كشف حقيقة هذا النهج القائم على الفوضى والتخريب بدل السياسة والمسؤولية. ففي الوقت الذي تتحرك فيه الدبلوماسية بحثاً عن مخرج للأزمة، تصر إيران على الدفع بالمنطقة نحو حافة الانفجار، عبر اعتداءات صريحة لم تعد تقبل التأويل أو التبرير، في سلوك يعكس إصراراً على الهروب إلى الأمام كلما ضاقت الخيارات السياسية.
ما شهدته دول مجلس التعاون الخليجي من استهداف مكثف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ليس حادثاً عابراً، بل رسالة عدوانية مباشرة تعكس عقلية مأزومة ترى في الاستقرار تهديداً، وفي التنمية خصماً يجب استهدافه. ومع ذلك، فإن المفارقة الصارخة أن ما تمارسه إيران من الإرهاب فاشل، إذ لم تحقق هذه الهجمات أي إنجاز، بل عمّقت عزلتها وكشفت حدود قدرتها على التأثير الحقيقي، وأكدت أن أدوات العنف لا يمكن أن تكون بديلاً عن السياسة الرشيدة.
إيران لا تقدم مشروعاً سياسياً بديلاً، ولا تطرح رؤية للاستقرار، بل تعتمد على إغراق المنطقة في دوائر من التوتر المستمر منذ 47 سنة، معتقدة أن الفوضى تمنحها مساحة للحركة. غير أن الواقع يثبت أن ما تمارسه إيران من الإرهاب فاشل، لأنه لا ينتج إلا مزيداً من الرفض الإقليمي والدولي، ويضعها في مواجهة مباشرة مع حقائق لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الصواريخ أو المسيّرات، ولا يمكن فرضها بالقوة على حساب استقرار الشعوب.
لقد بات واضحاً أن هذا النهج لا يهدف إلى تحقيق مكاسب حقيقية بقدر ما يسعى إلى تعطيل نجاح الآخرين. فكلما تقدمت دول المنطقة في مسارات التنمية والانفتاح، سعت إيران إلى تقويض هذا التقدم عبر خلق أزمات مفتعلة، في محاولة لفرض معادلة صفرية لا رابح فيها. لكن هذه المقاربة لم تعد تقنع أحداً، بل أصبحت عبئاً على إيران نفسها قبل غيرها.
في المقابل، تقف الإمارات العربية المتحدة على النقيض تماماً من هذا النهج. فهي دولة لم تسع إلى الحرب، ولم تكن طرفاً في إشعالها، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن تكون هدفاً سهلاً أو ساحة مفتوحة للاعتداءات. وقد أثبتت قدرتها على التعامل مع التهديدات بكفاءة عالية، دون أن تتخلى عن خيارها الاستراتيجي المتمثل في الحلول السياسية الشاملة، التي تعالج جذور الأزمات بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
هذا التوازن بين القوة والحكمة هو ما يربك حسابات طهران. فــــدولة الإمـــــارات بقيادتها الرشيدة لا ترد بانفعال، ولا تتراجع تحت الضغط، بل تتحرك وفق رؤية واضحة تدرك أن الأمن لا يتحقق بردود الفعل المؤقتة، بل ببناء استقرار طويل الأمد يقوم على معالجة جـــذور الأزمات، لا الاكتفــــاء بإدارتها. وهذا الفهم العميق هو ما يمنحها القدرة على الصمود والتأثير في آن واحد.
ومع اتساع دائرة التهديدات، لم تعد الاعتداءات تقتصر على الأهداف المباشرة، بل امتدت لتطول شرايين الاقتصاد العالمي. ما يحدث في مضيق هرمز من استهداف للسفن وتهديد للملاحة الدولية ليس سوى امتداد طبيعي لسياسات تثبت أن ما تمارسه إيران من الإرهاب فاشل، لأنه يسعى إلى خلق أزمات من دون القدرة على إدارتها أو السيطرة على تداعياتها، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار الأسواق العالمية وأمن الطاقة.
هذه المقاربة تحمل في داخلها بذور انهيارها. فإدارة الأزمات عبر التصعيد المستمر دون امتلاك أدوات الحل، تؤدي في النهاية إلى استنزاف الذات قبل استنزاف الآخرين. ولهذا فإن ما تمارسه إيران من الإرهاب فاشل، لأنه يحولها من دولة معزولة ومنبوذة إلى مصدر دائم للقلق والإرهاب دون تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة أو شرعية سياسية معترف بها.
الأخطر من ذلك، أن استمرار بعض المواقف العربية والدولية الرمادية يمنح هذا السلوك مساحة للاستمرار، وكأن التردد في تسمية الأمور بأسمائها يشجع على تكرارها. فالإرهاب، أيّاً كان مصدره، لا يمكن التعامل معه بمنطق المساواة أو التوازنات المؤقتة، بل يحتاج إلى موقف واضح وحاسم يضع حداً لهذه الممارسات ويمنع تمددها.
ورغم قسوة المرحلة، فإن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، أثبتت أنها قادرة على الصمود وتجاوز التحديات. فهي لم تبنِ نجاحها على الصدفة، بل على رؤية واضحة واستثمارات عميقة في الإنسان والتنمية والاستقرار، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة محاولات الاستهداف والتقويض، وأكثر ثباتاً في الدفاع عن أمنها ومصالحها.
يمكن القول بوضوح إن ما تمارسه إيران من الإرهاب فاشل، ليس فقط لأنه مرفوض أخلاقياً وسياسياً، بل لأنه يعكس عجزاً عن بناء مشروع مستقر أو فرض واقع دائم. فالدول التي تراهن على الفوضى لا تصنع مستقبلاً، بينما الدول التي تبني على الاستقرار والتنمية هي التي تفرض معادلتها في النهاية، مهما طال أمد التحديات.

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر.

[email protected]