حسام ميرو
كانت الصراعات قد حسمت خيار الحرب العالمية الثانية قبل عامين من نشوبها في عام 1939، حين شنّت اليابان حربها على الصين، في السابع من يوليو/ تموز 1937 في سعيها للسيطرة على آسيا والمحيط الهادئ، لكن سرعان ما انتقلت الحرب إلى قلب القارة الأوروبية، التي كانت تعيش في أزمات حادّة، جعلت الحرب متنفساً شبه وحيد للهروب من أزماتها الداخلية، التي استفحلت ولم يعد بالإمكان معالجتها سلمياً.
الصرع على النفوذ في أوروبا، بين قوى القديم، بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تدافعان عن موقعهما كقوتين عالميتين استعماريتين وبين ألمانيا القومية الصاعدة، بصناعاتها الكبرى، والتكنولوجيا المتقدمة، والاتحاد السوفييتي بنظريته الاشتراكية الأممية وجيشه الأحمر. كل ذلك، جعل قرار اتخاذ الخطوة الأولى مسألة وقت، لذلك أراد المستشار الألماني أدولف هتلر أن يسجلها باسمه، فاجتاحت دباباته الجارة بولندا في الأول من سبتمبر/ أيلول 1939، معلناً حربه على الخرائط والشعوب والدول.
التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والحاجة إلى الخروج من الأزمات الاقتصادية، مضافاً إليه نشوء قناعات سياسية استراتيجية عند الدول الصاعدة بأن النظام الدولي القائم آنذاك، أصبحت موازين القوى فيه مختلة، ولا بد من الاستفادة من هذا الخلل، كان كل ذلك، هو السياق الذي أطلق شرارة حرب، التي باتت ضرورة في نظر القوى الطامحة لأخذ مكانة القوى الاستعمارية القديمة وإيجاد نظام دولي جديد، يتناسب مع طبيعة المستجدات التي تراكمت منذ الحرب العالمية الأولى وأصبح من الضروري بمكان إظهارها.
لم تكن حسابات جميع اللاعبين دقيقة، ففي كل حرب من هذا النوع مفاجآتها الكبرى وكان في مقدمة المفاجآت، أن ألمانيا التي كانت واثقة من النصر، كانت المهزوم الأكبر فيها، وكذلك، اليابان، التي كانت قد بادرت إلى تسخين الأجواء العالمية بحربها على الصين، لكن المفاجأة الرئيسية، جاءت عبر الضفة الأخرى من الأطلسي، فالولايات المتحدة التي كانت لا تزال تعاني آثار الكساد الاقتصادي الكبير في عام 1929 وجدت في الحرب فرصة للخروج من أزماتها الاقتصادية والأهم تحوّلها إلى قوة عالمية، ذات طابع توسّعي والقطب الموازن للاتحاد السوفييتي، منذ لحظة نهاية الحرب ولغاية انهياره في 1991.
قبل فبراير/ شباط 2022، لم يكن أحد يتوقّع أن تشهد أوروبا محاولات لكسر خطوط السيادة، التي كانت على الدوام حمراء، بعد درس الحرب العالمية الثانية، لكن روسيا فعلتها، حين أوعز الكرملين للدبابات الروسية باجتياح أوكرانيا، لكن ما بدا لوهلة معركة عسكرية قابلة للحسم السريع، تحوّل إلى معركة استقطاب سياسي على الساحة الدولية، بما يتجاوز الأهداف المعلنة من قبل روسيا، أو من قبل الأوروبيين المدافعين عن سيادة أوكرانيا والأهم أن التدخّل الأمريكي، لم يعط النتائج المرجوّة منه، لا في إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن الداعم سياسياً وعسكرياً ومالياً لكييف ولا في إدارة الرئيس ترامب الحالية، التي سعت إلى إيقاف الحرب، عبر الضغط العلني على الرئيس الأوكراني، أو عبر التفاوض المباشر في قمة ألاسكا بين الرئيسين ترامب وبوتين.
تحاول الأطراف الأكثر مكانة وتأثيراً في النظام الدولي الهروب من سيناريو انفجار حرب شاملة، لذلك يخوض كل طرف حربه بطريقته الخاصّة، فقد شنّ الرئيس ترامب حرباً تجارية شاملة، لم يستثن منها الحلفاء والأصدقاء وضعت أوروبا أمام خيارات اقتصادية ومالية صعبة ودفعت أكثر نحو انكشاف الأزمات البنيوية، كما في فرنسا التي سقطت فيها ثلاث حكومات في ولاية الرئيس ماكرون الثانية، مع تضخم في ديون الدولة بشكل غير مسبوق وتشن روسيا حرب مسيرات بشكل مكثف، كما جرى في اختراق 20 مسيرة روسية للأجواء البولندية في التاسع من سبتمبر/ أيلول الماضي، أو بشكل غير مباشر، حيث استهدفت فيه مؤسسات حكومية بما فيها المطارات، في عدد من البلدان الأوروبية.
اختلال النظام الدولي ومؤسساته الأممية أصبح أمراً واقعاً منذ سنوات، والحروب التكنولوجية والرقمية والصراع على المعادن الحيوية للصناعات فائقة التقنية تتصاعد وتتمدد في كل القارات والعديد من الحروب التي اشتعلت في العقد الأخير مستمرة ولا تبدو قواعد الدبلوماسية والقوة الناعمة كافيتين لمعالجة المشكلات والأزمات العديدة في هذا النظام، بل إننا نشهد تراجعاً كبيراً لدور العلاقات الدولية في تهدئة التوتّرات وكأن الكلّ يعترف بأن الدوافع لاستمرار هذه الصراعات أكبر من قدرة الديبلوماسية على التعامل معها.
وإذا كانت الحرب العالمية الثانية، قد بدأت من خطابات الجنرالات والحركات القومية، فإن من يقود ويدفع نحو الحرب اليوم هم جنرالات الاقتصاد المعولم، الذين يتنافسون على أسواق التكنولوجيا الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي وبدلاً من أن تكون الجيوش في المقدمة، فإن الخوارزميات تتصدر المشهد وترسم ملامح الحرب، لكن إلى متى يمكن لهذا التحييد لصراع عسكري واسع النطاق عالمياً أن يكون فعّالاً؟
إن هذه الاستدارة التي يقوم بها النظام الدولي إلى مناخات كانت سائدة قبل نحو تسعة عقود، لا تأخذ بالحسبان أن الحرب العالمية الثانية بدأت حرباً تقليدية ولم تنته إلا باستخدام أمريكا لقنبلتين ذريتين، لكن ماذا سيحدث اليوم في الوقت الذي يمتلك فيه كلّ الخصوم آلاف الرؤوس النووية؟!