جميل مطر
نفر من الشباب استأذنوا لقضاء الجزء الأخير من يوم الاثنين عندي نشاهد معاً ونناقش تطورات حكاية صنع السلام في الشرق الأوسط. المناسبة هي زيارة الرئيس ترامب صاحب مشروع العشرين نقطة ألى القدس وشرم الشيخ للحصول على توقيعات عدد مختار من قادة الدول على المشروع.
يكفي في هذه المقدمة أن أعلق على جلستنا بأن الملل كاد يتسبب أكثر من مرة في انفراطها، وبأن الفضول المتجذر لدى الشباب حال دونه. كانت فرحة أعضاء الكنسيت بالوثيقة واضحة باستثناء نائب من بينهم، أقصد من بين نواب بني إسرائيل، راح يتساءل عن غياب الاعتراف بحل قضية الفلسطينيين في مشروع السلام الذي تبناه أو وضعه الرئيس ترامب بمساعدة أو مراجعة من جانب رئيس وزراء إسرائيل خلال آخر زيارة لواشنطن.
كذلك حال دون انفراط عقد جلسة الشباب في منزلي بحثنا الدائب خلال انعقاد المؤتمر في شرم الشيخ عن قادة وجهت الدعوة إليهم ولم يحضروا، وقادة حضروا واختفوا وقادة حضروا ولم ينضموا إلى قائمة الموقعين. من ناحية أخرى كان الرئيس ترامب مثيراً كعادته في محاولاته المستمرة تمجيد نفسه بنفسه، وهو الأمر المقبول من حيث المبدأ باعتباره من عادة السياسيين في كل العهود، إلا إذا تجاوز السياسي كل الحدود المقبولة وراح يخلط بين ما هو من مصلحة للدولة وما هو من مصلحة شخصية.
أثير في نقاشات الشباب ليلتها حقيقة وخلفية مشروع السلام. قيل بين ما قيل إنه قائم على فكرة لم ينكر أحد شخصية صاحبها، بل إن الرئيس ترامب أشار بنفسه تلميحاً مرة وتصريحاً مرات إلى أنها من بنات أفكار صهره جاريد كوشنر. كذلك أعلمتنا جهة إعلامية غربية أن لكوشنر شريكاً في تطوير هذه الفكرة منذ سنوات، أما الشريك فهو توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق.
توالت كما نعلم أحداث عظام في قطاع غزة. تجمع الآراء على أن الرئيس ترامب كان يستطيع وقف ما آلت إليه هذه الأحداث حتى صارت حرب إبادة. نذكر أن الرئيس الأمريكي حاول خلال العامين الماضيين تجاهل أن أطفالاً يُقتلون ومستشفيات تُدمر ومئات الألوف من السكان المدنيين ينزحون تحت التهديد من مكان إلى مكان ثم يعودون مجبرين إلى أحيائهم ومدنهم ليشاهدوها وقد صارت ركاماً. الرئيس وبطانته ومنهم ويتكوف وكوشنر يعلمون عمق الألم والحزن في عيون نساء وأطفال نازحين من مكان إلى آخر. إنه الوطن يضيع منهم أمام عيونهم وبشهادة قادة العالم.
بحثنا في جلستنا في مشروع السلام عن أمل في عودة هؤلاء النازحين ذات يوم، بعد إقرار المشروع، إلى ما كانوا يعرفون أنه وطن لهم وليس لغيرهم وبالتأكيد ليس لمطورين أجانب، ولم نجد.
سمعنا خلال الشهور المؤلمة عن تسريبات وتعليقات تنبئ عن أن الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو تعرض كل منهما لانحسار خطر في مكانته الدولية وشعبيته داخل بلده. أكثرنا تابع أحداثاً ومفاجآت في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة. أجمعنا، الشباب وأنا، على أننا في حياتنا السياسية وهي معتدلة الطول عند أغلب الشباب وطويلة جداً عندي، لم نشاهد جلسة لجمعية عامة ورئيس وفد يخطب فيها وتكاد القاعة تخلو من وفود الدول باستثناء الوفد الأمريكي ووفود دول أخرى قليلة العدد اختارت الحضور عن غير علم أو تحت ضغط. أتصور وقعاً حزيناً لهذا المشهد على وفدي الدولتين، لكني أتصور ردة فعل صارخة من القوى المهيمنة في بلديهما خارج مؤسسات الحكم الرسمية، أقصد تحديداً القوى القائدة للجماعة الصهيونية وعملائها والمنظمات والشخصيات المستفيدة من سطوتها وثرائها.
أما إن صح ما توقعت من وقع حزين فسوف يصح أيضاً في اعتقادي ما توقعت من أن حدثاً جللاً وعاجلاً يجب أن يحدث قبل أن يستعيد الفلسطينيون عافيتهم ويستقر التفاؤل في نفوس مؤيديهم ويتوالى بتسارع انحدار العظمة الأمريكية فينهار تيار استعادة هذه العظمة «الماغا»، وهو التحذير الذي نطق به الناشط الجمهوري واسع التأثير ريتشارد كيرك، وفي ظني وظن غالبية من أعرفهم من المفكرين الأمريكيين أنه مات مقتولاً بسبب هذا التحذير.
أظن بالتالي أن هذه الجريمة مثلت دافعاً آخر للرئيس ترامب وحليفه نتنياهو للتحرك فوراً لإنقاذ شخصيهما ومن بعده إنقاذ ما لم تجرفه التطورات الأخيرة من مصالحهما الدولية والإقليمية على حد سواء. هذه المصالح يتصدرها بطبيعة الحال المشروع العقاري لمستقبل غزة الذي التزم بتنفيذه بلير وشريكه فور إزالة العقبة الكؤود التي تقف في طريقه وأقصد شعب غزة.
أظن أيضاً أنه خلال الشهور الأخيرة ازداد اقتناع كوشنر، وبالتبعية ترامب ومعاونيه المقربين الأوفياء، بضرورة الضغط بكل الوسائل على الدول العربية. المؤكد الآن لدى هذا الفريق الصهيوني أن أهداف ترامب الشخصية في غزة وأهداف الحركة الصهيونية في الانتهاء سريعاً من إعلان قيام الكيان الإسرائيلي الكبير في الشرق الأوسط، وهو ما أطلق عليه ترامب الكيان «الممتد من حدود أذربيجان القوقازية وباكستان وإيران»، كلها وغيرها، تجتمع تحت عنوان «الشرق الأوسط الآسيوي الجديد».
.. العنوان يتغير ويبقى الجوهر مع التفاصيل من دون تغيير.