محمد أبو شعبان *
للوهلة الأولى عند لمحة العنوان، يتبادر إلى الأذهان التناقض في المفهومين: فالقانون هو ميزان العدالة في المجتمع، بينما تمثل النرجسية اختلال الموازين الإدارية والقانونية، إذ أنها تتمحور حول تقدير الذات بشكل مفرط على حساب الآخرين، مما قد يعيق تطبيق العدالة أو فهمها بطريقة موضوعية، في هذا المقال، سنتناول العلاقة بين النرجسية وتأثيرها على السلوك القانوني، وكيف يمكن للقوانين والأنظمة التعامل مع تحديات الأفراد ذوي السمات النرجسية في إطار إدارتهم للمؤسسات والشركات لضمان تحقيق العدالة وحماية المؤسسات والشركات والعاملين فيها من آثارها السلبية، والذي ينعكس بدوره على الاقتصاد.
فبلا شك أن النرجسية الإدارية هي أحد أكبر معيقات تنفيذ القانون، فعندما تتصف الإدارة بالنرجسية قد تؤدي ممارستها إلى تجاوزات قانونية أو تجاهل اللوائح والنظم القانونية والشفافية والموضوعية وقد لا ترقى هذه التصرفات النرجسية إلى مخالفة قواعد القانون لكنها بالتأكيد تخالف أسس العدالة، مما يشكل تحديات على ضبط الانتهاكات وحماية الحقوق القانونية للأطراف المختلفة.
وعلى الرغم أن النرجسية الإدارية ليست مصطلحاً قانونياً بحتاً، إلا أنها تصنف ضمن مظاهر سوء الإدارة أو إساءة استخدام السلطة ويزداد خطر النرجسية وضوحاً حين تتصادم رغبات الإدارة النرجسية مع أحكام القانون، إذ تتحول بيئة العمل إلى ساحة نزاعية قد تقود إلى انتهاك القوانين وبلا شك فإن هذه الظاهرة تنتشر بشكل واضح في الشركات الخاصة الصغيرة والشركات العائلية، وقد تبرز هذه النرجسية في عدة صور من خلال وضع العاملين في هذه الجهات تحت ضغوطات أو ممارسة التنمر، أو إغرائهم بامتيازات أو حتى كتجاهل اللوائح والقوانين، على سبيل المثال: تجاوز حدود التفويض المالي أو الإداري، أو إهمال الإجراءات القانونية اللازمة، واستغلال المنصب لتحقيق مصالح شخصية أو احتكار السلطة، والإضرار بحقوق الموظفين أو الشركاء: كعدم دفع مستحقات، تعديل العقود بشكل أحادي، أو فرض قرارات تعسفية، وتطول الأمثلة. وهنا يظهر الدور الجوهري للقانون في ردع هذه الانحرافات وحماية التوازن المؤسسي، حيث عالجت التشريعات الحديثة هذه الممارسات عن طريق تقييدها بإطارٍ قانونيٍ وإجرائيٍ لفرض الرقابة على السلطة ومنع إساءة استخدامها عن طريق فرض لوائح واضحة لحوكمة الشركات ومنع تضارب المصالح مروراً بالرقابة القضائية التي تتيح للأطراف المتضررة مقاضاة الإدارة ومحاسبتها وصولاً إلى الإجراءات الوقائية كتعزيز الشفافية وتعيين مدققين قانونيين مستقلين ونشر سياسات تحارب سوء الإدارة.
ويتجلى دور أفراد القانون من مستشارين ومحامين لتلك الجهات لتفعيل الحوكمة بفرض قواعد القانون إذ أنها تعمل كخط دفاع مزدوج تمنع الإدارة النرجسية من السيطرة المطلقة، وتوفر أدوات قانونية وإدارية لمحاسبتها حال تجاوزها للقانون أو المصلحة العامة عن طريق فصل السلطات داخل المؤسسات والشركات بما يمنع احتكار القرار، وفرض الشفافية والإفصاح عن القرارات الجوهرية، وتؤسس لمسارات واضحة للمساءلة والمراجعة، كما أنها تغرس ثقافة مؤسسية قائمة على الأخلاق والمسؤولية.وبالمقابل فإن شركات المساهمة تعد نموذجاً مؤسسياً رائداً في مواجهة تحديات النرجسية الإدارية، نظراً لما تمتاز به من هياكل تنظيمية وقواعد حوكمة صارمة تفرض توازن السلطات وتحد من التفرد بالقرار، فالأحكام القانونية المنظمة لهذه الشركات، بدءاً من متطلبات انتخاب مجلس إدارة مستقل من قبل المساهمين، مروراً بآليات الرقابة الداخلية والخارجية مثل لجان التدقيق والمراجعة المالية المستقلة، وصولاً إلى الشفافية والإفصاح الدوري عن القرارات المالية والإدارية، تعمل جميعها كحواجز قانونية تمنع الإدارة النرجسية من استغلال سلطتها أو الانحراف عن مسار القانون، فتشكل شركات المساهمة مثالاً حياً على كيفية تحويل القانون وأطر الحوكمة إلى أدوات فعّالة لضبط السلوك الإداري وصون العدالة المؤسسية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، بما يتوافق مع أحكام قانون الشركات الاتحادي رقم (32) لسنة 2021 واللوائح التنفيذية ذات الصلة في دولة الإمارات ولا يقتصر أثر هذه البنية القانونية على حماية حقوق المساهمين والعاملين فحسب، بل يضمن أيضاً استمرار الشركة في تحقيق أهدافها الاقتصادية بكفاءة وموضوعية.ختاماً، تمثل النرجسية الإدارية تحدياً حقيقياً أمام العدالة وسيادة القانون، لكنها ليست عصية على المواجهة.
* المستشار القانوني «تاج مستشارون قانونيون»