د.نسيم الخوري

ما إن يستوي المرء أمام لوحة المفاتيح ليكتب نصّاً يوشّيه بآلام معظم المواطنين اللبنانيين وانتظاراتهم داخل لبنانهم المُهدّد والمُعذّب وخارجه، يجد نفسه مشدوداً نحو المزيد من الحرّية والصراحة المُتَشحة بالشكوى ليصبح النص كياناً وأحلاماً. نعترف بأن الحيرة والارتباك والخوف وحتّى الضياع يلازم وطننا الصغير الذي لا ينام لتناكف ساكنيه بما يتجاوز أعمار المواطنين والمهاجرين والكتاب والقراء. أضف لبنان المهاجر في الدنيا من الأموات والأحياء الشيوخ والأولاد والأحفاد والأجيال تكابد الغربة في مدى عواصم العالم الخليج بنعمه وقوانينه فاتحاً ذراعيه وقلبه للبنانيين الذين يلعقون جفاف أخبار لبنانهم تسكنه الغيوم السوداء التي لا تنقطع ولا تزيح.
هذه مُقدمتي تقودني هذا الصباح من زاوية قرية في جبل لبنان السؤال القلق بعدما تدفق الصيف وتحيّر وتجعّد وبكى، أمس مطره الأوّل.لا لزوم لتناول الأحداث في وطننا مع غزّة التي غزت وتغزو العيون البشرية ودموعها تشق طريقها نحو الهدوء والسلام. لا عتاب منّي ولا عليّ إن كتبت مُقيماً عاطفياً بلبنان الصغير بين الداخل والخارج. هو وطني ووطن أحفادنا جميعاً وقد تعثّرت العربية في ألسنتهم عبر عواصم العالم.
أتجرّأ على البوح بأن الأسد يبقى وسيبقى أسداً وله ملامح الأسود إن كان من معشر الأسود البالغين الأصفياء والأقوياء، لكنّ ما يُخيفني ويخيف معظم اللبنانيين وأشقاءنا أن النار الصغيرة تبقى خوفاً، لأنها النار تشتعل وتكبر وتحرق الأيادي والنفوس والأوطان المرتجلة المقسّمة أو المستفيدة لكلّ من هو خطر خارج أوطانها وقد خبرناها حرائق وحروباً ثقيلة ومُخيفة.
يعنيني ويُعينني هذا الجبل المتثائب الحر بوجهي أسكبه حبراً واعداً موثّقاً ومسكوناً بالملامح الثابتة والقوية للعهد الجديد وعلى رأسه الرئيس جوزيف عون الذي عاصرته حامياً الجيش بنبضات قلبه وفي خلده ونبضه اليوم لبنان بكل ما ومن فيه بحثاً عن أصالة موقف وحكمة بدرء الاشتعال أي اشتعال مرسّخاً ملامح الدبلوماسيات العسكرية المُتقنة نحو الخلاص ونهضة السلام الوطني القصوى الذي لطالما تيبّست فيه معظم المحاولات بالاستحالات. نعرف جميعاً أن معظم لبناننا بات قريباً في الخليج العربي أو عبر مدن الأرض وقراها بحثاً عن بقع الاستقرار والحياة. ولنصرخ لا نكتب أن ملامح الهوية الشخصية الوطنية اللبنانية المتنقلة الضائعة المتحيرة تحوّلت وتبدّلت أبداً في أرجاء الدنيا طلباً للسلام لا تنام، لكن لبنان اليوم يستيقظ في الدنيا عبر لبنان المغترب لا المُقيم المُتأرجح.
لنأخذ مثالاً بسيطاً أستلّه من الحياة البرلمانية اللبنانية المتشابكة التي تجتاح الألسن كما هي حال أحجار المطاحن؛ حيث لن تترك وراءها قمحاً ولا طحيناً ولا برلماناً جديداً؛ بل مزيداً من ارتحالات الأجيال نحو جنائن «الصحراء» بين قوسين، لأن خضرة الربيع الدائم تُقيم هناك حيال اليباس المحلي السياسي والحزبي. ولن ننسى كيف سبق وارتحل منها جدودنا نحو تلال لبنان في الشمال عند انهيار سدّ مأرب في اليمن. عفواً نسيت صفة «السعيد» التي تلتصق تاريخياً باليمن.
بكلمتين: ألن تتبدّل قوانين الانتخابات البرلمانية المقبلة التي لن تزيد حبة خردل جديدة على تاريخ التشاوف بـ«الديمقراطية الحضارية» مقابل «الاستبدادية المستوردة»؟
تتجاوز الأنانيات السياسية محبة لبنان ومستقبله وطموحه نحو التقدم في السلام؛ إذ لا قيمة، على الإطلاق، بالنسبة لبعض الداخل اللبناني ملايين اللبنانيين وقيمهم وثرواتهم ومؤسساتهم ومراكزهم المرموقة في مراكز القرار إلى كبار التجار والمفكرين وأساتذة الجامعات تجدهم في دوائر كل عاصمة ومدينة من دول العالم كبيرها وصغيرها وبمختلف مشاربهم يهزؤون من تعفّن المنطق السياسي المشتت في هذا الداخل اللبناني اليابس الذي يُجاهر اليوم ولا يرضى سوى بمنح مقعد نيابي واحد عن كلّ قارة من قارات الأرض، وإلاّ فلتؤجّل الانتخابات ويتيبس البرلمان ممثلو الأمة اللبنانية حتى يباس لبنان بجباله وسهوله وحضوره.
يا لهذا الكيان الذي بات مسكوناً بالانقسامات المتخلّفة الموروثة بصرف النظر عن الزمن الجديد العربي والفلسطيني والدولي وعلى الرغم من مسيرة غزّة الطازجة التي طاف ويطوف بها العالم طرحاً للسلام، بينما الجنوب اللبناني المهدم والجريح والمُقيم جدّاً في عين العالم اليوم. لقد ملّ التاريخ الوطني هنا وهاج وماج ويموت فيه بقايا اللبنانيين في الـ10452 كلم مربع من تراكم تاريخ تمثيل العائلات والشخصيات نفسها من الجدود إلى أبناء الأحفاد؛ حيث تآكل المواقف عينها وبخطب رتيبة مشدودة طرّزتها دماء سلالات الحروب الطائفية والمذهبية بهدف المحاصصة ذاتها.
أكاد لا أخاطر بالقول إنها انتحابات (عفواً سقطت النقطة من فوق الخاء) موشّحة بالتنافر والتقاتل وبالخيبة ولربّما لا سمح الله بالدماء والفيدراليات والتقسيمات والتفكير بدوائر ضيّقة وعوازل وطنية بين اللبنانيين، وقد تسمع من يقول مجاهراً: لماذا لا يختار الشيعة وحدهم رئيس مجلس النواب، ويختار المسيحيون رئيس الجمهورية ويختار أهل السنة رئيس مجلس الوزراء؟ ويبقى لبنان من دون لبّ.
أنشر هذا النص الذي يجلدني بدلاً من حصاده؛ إذ أُبلغت وأنا في لندن بتعييني عضواً في الهيئة العليا للإشراف على الانتخابات البرلمانية اللبنانية. وعسى أن يرمي نصي السهام التي أدمنتها عبر الانتحابات بالحاء لا الخاء الكارثية في لبنان.

[email protected]