محمود حسونة

فجر جديد يبزغ في منطقة الشرق الأوسط بعد أن شق ظلام ليل دامس طال وصبغ العالم بلون الضباب. فجر لاح من مدينة شرم الشيخ المصرية ليمتد إلى غزة العزة والكرامة، ومنها ينطلق إلى أرجاء العالم حاملاً بشرى للإنسانية بأن حرب الظلم والقهر والذل ستتوقف، وأن صوت السلام علا وارتفع وصدح في الأرجاء، وصوت العنف والقتل والإبادة سيتوارى بعد أن استيقظ العالم من سبات طويل، واكتشف حقيقة إسرائيل التي زيّفها الإعلام العالمي وتأكد أنها دولة احتلال تتغذى على الحروب، وأن فلسطين حق، ولشعبها حقوق مهدرة يجب أن تُسترد.
الحرب توقفت بالتوقيع على اتفاقية وقف الحرب بمشاركة، أمريكا ومصر وقطر وتركيا، وهي الاتفاقية التي تشكك الكثيرون في إمكانية صمودها نتيجة الجموح الإسرائيلي. وفي شرم الشيخ تجمعت 25 دولة للتأكيد على أن السلام في هذه المنطقة خيار استراتيجي بإرادة دولية، سلام نتمناه راسخاً لا يهزه تهور المتهورين، وأن للفلسطينيين حق تقرير المصير والعيش على أرضهم تحت ظلال دولة مستقلة. قمة الوعود التي تستلزم جهداً حتى لا تتبخر، وعود تبث الأمل في أوصال الفلسطينيين وتؤكد أن الحياة حق والأرض حق، وتؤكد لإسرائيل أن السلام ممكن عندما تتوفر الإرادة.
صوت السلام لم يرتفع فقط عند توقيع اتفاقية وقف الحرب، لكنه ارتفع خلالها، صدحت مطالبة به أصوات شباب العالم في مدنه المختلفة خلال تظاهرات في أربعة أركان الأرض داعية لوقف الحرب ورافعة شعارات «فلسطين حرة»، كما طالب به نواب في برلمانات مختلفة شجبوا مواقف حكوماتهم، ولعل هذه الأصوات هي التي دفعت بعض الحكومات إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وهي التي فرضت حصاراً إنسانياً على إسرائيل أفرز عزلتها، وهي التي قلبت المعادلة وأخجلت حماة إسرائيل من جنونها في القتل والإبادة والتجويع والحصار وحرمان الفلسطينيين من كل مقومات الحياة.
الفرحة بوقف الحرب انتشرت في العالم كله، والغضب من وقفها اقتصر على المستفيدين من بقائها والخارجين منها غاضبين بفضل إرادة إنسانية دولية، إسرائيل أزعجها وقف الحرب بعد أن أدركت أنها لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة، لا تهجير ولا قضاء على حماس ولا تحرير الرهائن سوى بالتفاوض، اكتفت بالقتل والتدمير والتخريب.
الفرحون بوقف حصد الأرواح كثر، ولكل منهم أسبابه وأساليبه في التعبير، ولعل أكثر من فرحوا هم أهل غزة، الذين كانوا هدفاً ووقوداً لهذه الحرب الظالمة، فرحتهم هي فرحة الموجوعين المذبوحين الذين خرجوا للشوارع كما الطير «يرقصون ذبحاً من شدة الألم» على رأي المتنبي، فرحين بنجاتهم من الموت وبتوقفهم عن الرحيل من مكان لآخر تطاردهم منشورات المحتل وطائراته ودباباته، وبعودتهم إلى منازلهم حتى ولو كانت أطلالاً وهي المشاهد التي تجلت في العودة من الجنوب والوسط إلى الشمال، وبانتصار إرادتهم وبقائهم على أرضهم رغم أنف المخططين والمتآمرين، وبتحديهم آلات الموت والدمار، وأيضاً بتحرير بعض أسراهم في إطار صفقة التبادل.
للفرح أشكال مختلفة ودوافع متباينة، ورغم ارتفاع صوت السلام إلا أن كثيراً من الفرحين جاء فرحهم حذراً خشية العودة إلى الحرب بعد فقدان الثقة بإسرائيل، خصوصاً بعد تصريحات نتنياهو وفريقه العسكري بُعيد توقيع الاتفاق بساعات بأن الحرب لم تنته.
إنه الألم بعد الألم، أسئلة كثيرة تدور في أذهان غالبية الفرحين بوقف الحرب، وهي أسئلة لا إجابات حاسمة لها، فالخبر اليقين ليس في متناول أحد سوى الرئيس ترامب صاحب القرار الأول في هذا المجال.
من بين هذه الأسئلة.. هل يستطيع نتنياهو كبح جماح نفسه وجماح شركائه في الحكم والقرار من المتطرفين؟ هل ترضخ حماس للقرار الدولي بنزع سلاحها والتخلي عن السلطة؟ هل تتخلى إسرائيل عن تهجير الفلسطينيين وتقبل بمنحهم حق تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967؟، هل يواصل العالم ضغطه على إسرائيل حتى ينال الفلسطينيون حقوقهم المشروعة؟.
إلى أي مدى سيظل ترامب مقتنعاً بالسلام كخيار.. وإلى أي مدى سيكون حريصاً على استقرار الشرق الأوسط؟ هل مجلس السلام العالمي المنتظر سيكون هدفه هو تحقيق السلام وإعمار غزة وتسليمها لأهلها أم أن له مآرب أخرى غير معلنة؟.
هذه نماذج من كثير من الأسئلة التي لا إجابة صريحة لها في الوقت الراهن، ورغم ذلك فإن الأيام كفيلة بكشف الحقائق والنوايا.

[email protected]