كانت الحرب على غزة حرباً على حق الفلسطينيين في الوجود، واليوم نعيش يوميات حرب على حق شعوب المنطقة في الحياة والاستقرار، لن يدفع ثمنها جيل بل أجيال قادمة، حرب تجاوزت كونها نزاعاً عسكرياً بين دول اختارت أن تعيش العداء عقوداً من الزمن، إلى حرب تستهدف لقمة العيش وشربة الماء وكهرباء المنزل والشارع والمصنع ووقود السيارة وغاز البوتاغاز وعلاج المرضى ومدارس الأولاد، هي من تلك الحروب التي لا تبقي ولا تذر، تقتل الحاضر وتشوه التاريخ وتخلخل الجغرافيا وتشوش على المستقبل.
ليست حرب أمريكا وإسرائيل مع إيران فقط، ولكنها حرب إيران أيضاً على دول الخليج، وحرب الأطراف الثلاثة المتنازعة على المنطقة بأكملها، وحرب على الاقتصاد العالمي وعلى حرية الملاحة وحرية التجارة، على البر والبحر والجو وباطن الأرض، حرب تستهدف إصابة العالم بشلل يسلب منه حريته وأمانه ويهدد غذاءه ويهدم مقومات الحياة الإنسانية ويعيده إلى عصور ظلامية بعد أن تقضي على منجزاته الحضارية وتهدد منظومته القيمية وتتجاوز قوانينه الدولية وتبعثر كرامته الإنسانية.
قد يكون صاحب قرار الحرب غير مدرك لعواقبها، وكان يتوهمها نزهة تهدم دولاً وتستبدل أنظمة، ولكنه فوجئ بقراره يجلب الخراب على العالم، استهدف دولاً آمنة مطمئنة عبر تاريخها، فالنار التي أشعلها تمددت وتوسعت لتحرق إقليماً يرقد على أهم مصادر الطاقة العالمية وتعتز شعوبه بموقعها الجغرافي.
دول الخليج على مدار عقود من التاريخ كان العالم يراها موطن الأمن والأمان والاستقرار والازدهار، ووجد فيها الناس مساحة من التسامح المفقود على الكوكب بفعل التطرف والعنصرية، فاستضافت الحالمين من قارات الدنيا لتحقق لهم أحلامهم وتمنحهم فرص صناعة النجاح وتمهد لهم الطريق إلى الرفاهية، دول لم تنشغل سوى بالتنمية والبناء، زرعت داخل مواطنيها احترام الآخر، ونزعت من داخلها كل من اختارها مستقراً لميول التشدد والعنف واستباحة حقوق الغير، وتحولت بذلك إلى حاضنة للجميع من دون تفرقة على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، فالكل سواء، طالما أنهم يحترمون بعضهم البعض ويلتزمون بالقيم الإنسانية ويستظلون بظل القانون، وها هي الإمارات يعيش في إماراتها السبع رجال وسيدات من 200 جنسية، يعملون سوياً وينجحون سوياً من دون أي نعرات تثير أياً منهم.
يبدو أن نجاح النموذج الإماراتي الخليجي أزعج بعضهم، فكان القرار بضربه أملاً في تشويهه والتشكيك في قدراته، حتى يصبح مثلهم منغلقاً عنيفاً فارغاً فاشلاً، ولكن انقلب مخططهم عليهم، وأدرك العالم كله أن هذا النموذج يحمي نفسه بنفسه، ويصون مكتسباته بالتحام مواطنيه والمقيمين على أرضه والوقوف خلفه صفاً واحداً، وأكد أنه عصي على السقوط قوي في مواجهة العدوان صامد بقيمه ومبادئه مصّرٌ على أن يظل مختلفاً متميزاً متألقاً صانعاً للنجاح ومصدراً للأمل.
وإذا كان النموذج الخليجي أثبت صلابته اجتماعياً، بوقوف كل من يعيشون على أرضه خلف قياداته وقراراتها الحكيمة في التصدي للعدوان الإيراني من دون الانخراط فيه والسقوط في وحله، حفاظاً على بقايا الإقليم، فقد أكَّد قوته السياسية بالتفاف العالم حوله وإدانته للاعتداءات الإيرانية سواء عبر رؤساء ودبلوماسيي دول العالم المختلفة أو عبر المنظمات الدولية، من مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الأممية والإقليمية المختلفة.
واقتصادياً تمتلك دول الخليج أنظمة اقتصادية قوية تجعلها الأقدر على امتصاص خسائر القصف وتجاوزاته على أراضيها، في حين أن العالم كله اهتز اقتصادياً بسبب هذه الحرب الملعونة، التي التهمت الكثير من ميزانيات الأطراف الثلاثة المتصارعة ودمرت بنى تحتية كثيرة فيها، وخصوصاً في إيران التي ستحتاج إلى عقود لإعادة الإعمار، كما أدخلت العالم في رعب على مستقبل الطاقة والغذاء والملاحة والتجارة الدولية، وتضاعفت الأسعار في معظم دول العالم وارتفع التضخم وتراجعت التنمية ما سيلقي بظلال داكنة على الاقتصاد العالمي، وستدفع ثمنه الأجيال المقبلة بعد أن عجزت الأجيال الحالية في صون حقوقها باختلاقها حروباً لا تكتفي بأن تقتل وتدمر وتخرب بل وتنال من رصيد المستقبل.
من حق الشعوب أن تعيش في أمن وأمان، ومن حق الدول أن تحافظ على مكتسباتها، ومن حق الأجيال المقبلة أن تتسلم من الحالية عالماً مزدهراً لا مدمراً ومنهاراً، ومن حق الأجيال الحالية أن تعيش في سلام وألا تظل تعاني خوفاً وهلعاً وجوعاً وفقراً، ومن حق الكوكب أن يستريح ولا يظل ينتقل من حرب إلى أخرى أكثر شراسة، ومن حق الجيران أن يحافظوا على حقوق وأمان واستقرار جيرانهم، ولكنها كلها حقوق لا تشغل صناع الأزمات وخالقي الحروب ومشعلي الفتن الذين لا يريدون للعالم سوى خراباً ودماراً ولا يريدون للإنسان سوى هلاكاً ورعباً.
دول الخليج.. صلابة وحكمة
5 أبريل 2026 00:20 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 أبريل 00:20 2026
شارك