عبدالله السويجي

إذا أردت أن تشيطن عدوك، فصفه بأقذع الصفات وأحقر العبارات. وفي العقدين السابقين، شاع مصطلح لم يقدّم له حتى الآن تعريف محدّد، فمن يُرِد شيطنة أحد ينعته بالإرهابي، ومن يرِد أن يظهر أحداً بالتّخلف وبأنه غير حضاري وجاهل وقاتل ينعته بالإرهابي، فصارت صفة سارحة على ألسن الأفراد والمجموعات، والتنظيمات والدول، ولكنّ أحداً لم يستطع توفير شرح وافٍ لهذا المصطلح: الإرهابي.
منذ أكثر من خمسين عاماً، حين انطلقت الثورة الفلسطينية، وصفت إسرائيل أفرادها بالمخربين والإرهابيين. وحين فكّت التنظيمات المتشدّدة الارتباط (ولو ظاهرياً) مع الولايات المتحدة، أصبحت هذه الجماعات إرهابية، واليوم، وبعد أن قرأت تصريحاً لكين مكالوم، المدير العام لجهاز المخابرات الداخلية البريطاني (إم.آي5)، علمت أن هناك دولاً إرهابية، ولا بأس من نقل تصريحه بالتفصيل، حيث قال: «إن البلاد (أي بريطانيا) تواجه تهديدات متصاعدة من دول معادية، في حين لا يزال خطر الإرهاب «هائلاً» مع استمرار تنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين في تحريض مهاجمين محتملين». ونفهم من هذا الكلام أن الجهات التي يقصدها مدير المخابرات البريطانية هي دولٌ وتنظيمات متشدّدة. ويقول بعض المحللين إن بريطانيا تحدّثت مراراً عن تصرفات عدائية تقول إن روسيا وإيران والصين، تقوم بها، بينما تنفي الدول الثلاث القيام بذلك.
وبعد ذلك، حدّد مدير المخابرات البريطاني الجهات وكان أكثر وضوحاً: «مع شركائنا في أنحاء أوروبا، سيواصل (إم.آي5) رصد من يتلقون الأوامر من مجرمين روس». وتابع قائلاً: «سنستمر في تتبع أثر من يصدرون الأوامر الذين يتخيلون أنهم مجهولون ولا يمكن العثور عليهم من وراء الشاشات. ليسوا كذلك». وكي أكون مباشراً وصريحاً، شعرت أن من كتب الفقرة الأخيرة شاب مراهق، أو امرأة تمارس الكيد لجارتها، «فهؤلاء يتخيّلون أنهم مجهولون ولا يمكن العثور عليهم». ووعد أنه سيلقي القبض عليهم بالتعاون مع (شركائنا الأوروبيين).
من ليس لديه أعداء يخترع لنفسه أعداء، يفترض أن كين مكالوم، يتحدث باسم بلده المملكة المتحدة، ولننظر إلى أحدث نشاط تجاري بين بريطانيا والصين، ففي يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت بريطانيا والصين عن اتفاقيات تجارية بقيمة 600 مليون جنيه إسترليني، مع خطط لرفعها إلى مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الخمس المقبلة. وشملت الاتفاقيات مجالات مثل الخدمات المالية والزراعة والطاقة النظيفة، وهي جزء من جهود لإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية بعد انقطاع دام عدة سنوات. فكيف توقع بريطانيا اتفاقية مع دولة إرهابية؟ ومن جانب آخر، وفي عام 2023، بلغ إجمالي التجارة بين بريطانيا وإيران (بما في ذلك الخدمات) نحو 432 مليون جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 8.7%عن عام 2022.
أما بالنسبة للتجارة مع روسيا (الإرهابية)، فقد بلغ حجم التبادل التجاري عام 2024 بين بريطانيا وروسيا 37.3 مليار دولار. وهو رقم قياسي في تاريخ العلاقات التجارية بين البلدين، وهذا الرقم يمثل زيادة بمرة ونصف مقارنة بعام 2019، الذي بلغ فيه التبادل التجاري 17.3 مليار دولار.
وبعد كل ذلك، يصف مدير المخابرات البريطاني روسيا والصين وإيران بالدول المعادية. ولا ندري، هل يقصد، كونه مديراً للمخابرات، أنه يتعامل مع كل الدول، من منطلق مهني، على أنها عدو؟
أما بالنسبة لتنظيمي داعش والقاعدة، فالحديث قد يكون أكثر جديّة وموضوعية، رغم أن القاعدة، كما صرّحت هيلاري كلينتون هي صناعة أمريكية، أما داعش، فالكل يعلم حقيقتها، وهي من نسل القاعدة، وجميعهم من رحم الإخوان المسلمين، يخططون لنشر الفوضى والدمار والخراب وتحطيم الدول وإنشاء الخلافة الإسلامية على أنقاض العرب والمسلمين.
وهم يتّبعون وسائل إرهابية لتحقيق طموحهم ونشر أفكارهم، وباتت نظرياتهم معروفة، وعلاقتهم بمفهوم الوطن واضحة، ولهذا نعطي الحق لمدير المخابرات البريطانية بالتّخوف من هذين التنظيمين، وهما تنظيم واحد، فلا فرق بين داعش والقاعدة. ولعل مدير المخابرات يعلم أن دولته أسهمت، بطريقة أو بأخرى، في غض النظر عن إرسال (جهاديين) إلى البلدان العربية، وأكثرهم في سوريا، ولكنهم شرعوا في محاربتهم فيما بعد، والتعامل معهم كإرهابيين، ولا ندري حتى الآن من يغض النظر عن هؤلاء في أماكن وجودهم، فلا أحد يقترب منهم، ويبدو أن التحالف العالمي لمحاربة الإرهاب قد صمت وتوقّف ولم يعد يكترث مطلقاً لوجود هؤلاء.
الإرهاب، استناداً إلى رؤى العالم المتحكم في نشر هذا المصطلح، صفة نسبية، أو مصطلح أثره نسبي، ففي بعض البلدان، من يدافع عن أرضه فهو إرهابي ومخرّب، ومن يتشدّد في قناعاته ويرغب في فرضها على الآخرين فهو إرهابي، والإرهابي ليس فقط من يهدف إلى تحقيق أطماع سياسية أو دينية، إذ يمكن إطلاقها على الأفراد الذين يمارسون العنف على زوجاتهم وأبنائهم، أو يمارسون العنف في مجتمعاتهم، فيسرقون ويقتلون ويخطفون، وهؤلاء يكثرون في المجتمعات المنفلتة أمنياً. إن كل من يلجأ إلى إجبار الآخرين بالقوة على اتباعه إرهابي. ومن هذا المنطلق، طالب المثقفون بتقديم تعريف لمصطلح «إرهابي»، ورغم ذلك، لم يفعل أحد.

[email protected]