عبد الإله بلقزيز
ظلّت فكرة النّموّ، لزمنٍ مديد، تفرض نفسَها في الفكر الاقتصاديّ العالميّ بما هي معتقدُه الرّئيس الذي يدور عليه ويهدف إليه. هكذا كان أمرها في الغرب: لدى مفكّريه الاقتصاديّين وفي سياسات نخبه الاقتصاديّة ودُوله، حيث رَكن إلى الإيمان بها مدفوعاً، في ذلك، بنتائج خبرةٍ تاريخيّة مكتنزة بكبيرِ نجاحاتٍ في هذا المضمار، وهكذا كان أمرها في بلدان الجنوب، حيث ردّدَ القولَ بها معظمُ الدّارسين الاقتصاديّين وسار في اعتماد وصْفاتها المقرَّرة أكثر النّخب السّياسيّة الحاكمة.
وما كان لهؤلاء وأولئك إلاّ أن يمعنوا في الاندفاع وراء إغراء هذا المعتقد، فالعمل به - عند بلدان الغرب - غزير المنافع ومأمون العواقب، وليس من خيارٍ بديلٍ له عندها أو أوفرِ فائدة منه، وهو لدى أبناء الجنوب المعتقدُ الذي تشبّعت به النّخبُ الفكريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة الحاكمة فيها والمعارِضة، المتعلّمة في جامعات الغرب ومعاهده العليا، والذي نَصَح به المستشارون الاقتصاديون الأجانب العاملون لدى دول الجنوب فصُمّمت سياساتُ الدّول فيه على منوال تلك التي طُبِّقت في دول الغرب وعُوِّل، التّعويلَ الكبير، على أن تُفضيَ إلى النّتائج الاقتصاديّة والاجتماعيّة عينِها التي حصدها تطبيقُ تلك السّياسات في موطنها الأوروبيّ والأمريكيّ الشّماليّ.
لا يرتبط معتقدُ النّموّ، وجوداً وعدماً، بهذه الأيديولوجيا أو تلك وهذا النّظام الاجتماعيّ- الاقتصاديّ أو ذاك، وحين انقسم العالم إلى معسكريْن ونظاميْن عالميّين ثمّ إلى نموذجين متقابلين في الاقتصاد والاجتماع، هما النّموذج اللّيبراليّ الرّأسماليّ والنّموذج «الاشتراكيّ» (السّوڤييتيّ)، ظلّ المعتقدُ نفسُه سائداً فيهما معاً على ما بينهما من تبايُن.
يمكن الذّهاب إلى أبعد من هذا والقول إنّ ما كان من تنافُسٍ وصراع بين المعسكريْن بَدا، في وجْهٍ من وجوهه، تنافساً على تحقيق أعلى مستويات النّموّ بما يقيم الدّليل، عند نُخب كلّ معسكر منهما، على نجاعة النّموذج الاجتماعيّ- الاقتصاديّ المطبَّق فيه وعلى تفوّقه على غيره المنافِس له. أمّا لماذا جمع بين المنواليْن المتنافسيْن مشتَرَكٌ جامع، هو معتقد النّموّ، فلأنّهما معاً ينهلان من فكرةٍ تحتيّة واحدة هي فكرة التّلازم بين النّموّ، من جهة، وتطوُّر قوى الإنتاج من جهةٍ ثانيّة، وهي واحدةٌ من الأفكار التي خالف فيها الصّينيّون الاتّحاد السّوڤييتيّ وانصرفوا عن نموذجه الاجتماعيّ- الاقتصاديّ إلى وجهةٍ أخرى بعد القطيعة بينهما في سنوات السّتّينات من القرن العشرين.
أثبتت تجارب البناء الاقتصاديّ في العالم، التي كانت منصرفةً إلى تحقيق هدف النّموّ المتسارع، أنّ بلوغ هذا النّموّ معدّلاتٍ عاليةً لا يضع أرضيّةً صلبة للتّطوّر والتّقدّم في أيّ بلدٍ انتهج هذا السّبيل، ذلك أنّ رفْع مستوى الدّخل القوميّ، والدّخل الفرديّ استطراداً، لا يبني قاعدةً للتّنمية المستمرّة ولا هو يشمل بنتائجه مناحيَ الحياة كافّة. بيان ذلك أنّ النّموّ لا يبقى، في الغالب، على وتيرة تصاعديّة واحدة ودائمة، فقد يتراجع أو ينتكس من فترة لأخرى، وبأثرٍ من أيّ أزمة (اجتماعيّة، اقتصاديّة، سياسيّة...) مفاجئة أو معطيات جديدةٍ طارئة، وذلك هو الغالب على معظم البلدان والاقتصادات حتّى أكبرها وأكثرها تطوّراً، وما أكثر البلدان والاقتصادات التي تَسَارع نموُّها في فترات سابقة (بريطانيا، فرنسا، اليابان...) ثمّ ما لبث أن تراجعَ إيقاعاً ومعدّلاتٍ وانتكس.
إلى هذا المعنى النّسبيّ للنّموّ يُضاف أنّ الأخير يمسّ، على الأغلب، صعيداً واحداً هو الصّعيد المادّيّ (الاقتصاديّ) حصراً من دون سواه من الصعد الاجتماعيّة الأخرى، الأمر الذي ينشأ منه واقعٌ كابحٌ لعمليّة استدامة التّطوّر لغياب شروطها الكلّيّة. إنّ النّموّ يُولِّد ديناميّةً من التّطوّر غيرَ قابلة للإنكار، وهو لهذا السّبب يوفّر إمكانيّات كثيرة ويجيب عن حاجاتٍ مادّيّة تفرض نفسها على كلّ المجتمعات، غير أنّه يظلّ - مع ذلك - تطوُّراً غيرَ متوازن ولا يفتح الباب، بالتّالي، أمام مسارٍ حقيقيّ للتّنمية.
ليس النّموّ، بهذا المعنى، أكثر من مظهرٍ من مظاهر التّنمية ونتيجةٍ من نتائجها حين يُسْفِر عن نفسِه في شكل تراكُمٍ مادّيّ للقيم الاقتصاديّة، لكنّه لا يصنع التّنميةَ ألْبَتَّة7.
التّنميّة عمليّةٌ من التّراكم شاملةٌ ومتكاملة تتناول، بالتّطوير والبناء، مختلف أبنية المجتمع المادّيّة واللاّماديّة: الاقتصاديّة، الاجتماعيّة، التِّقانيّة، الثّقافيّة، التّعليميّة، العلميّة، البيئيّة... الإنتاجيّة منها أوِ الخدميّة أو الإنسانيّة... إلخ، وليس جانباً واحداً منها.
[email protected]