وليد عثمان
حتى قبل أن يبدأ ولايته الثانية في البيت الأبيض رسمياً، روَّج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير مرة أنه، على عكس سلفه جو بادين، قادر على وقف الصراع في أوكرانيا في فترة وجيزة، وأن صلته بنظيره الروسي فلاديمير بوتين ستساعد في ذلك وستصحح أخطاء من سبقه في هذا الملف.
كان تركيز ترامب على هذا الشأن يوحي بثقة في مساعيه، خاصة أن بوتين، كما هو في كل وقت، يبدي انفتاحاً على أي جهد يُنْهي الصراع في أوكرانيا، وتقديراً للرئيس الأمريكي، لكنه لا يتنازل أبداً عن الشروط الروسية الثابتة لإنهاء ما كان في البداية عمليةً روسية خاطفة في أوكرانيا، ثم تحوَّلَ إلى حرب تجاوز عمرها ثلاث سنوات.
في المقابل، لم يكن في تصرفات وتصريحات الرئيس الأمريكي في الشهور الأولى من ولايته الثانية، التي بدأت في يناير/ كانون الثاني الماضي، أنه سيضع ثقله في ملف غزة لإنهاء عامين من الحرب فيها بين إسرائيل وحركة حماس، وطالته الاتهامات بالتقاعس في ذلك والسماح لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بالمضي في خططه لتهجير الغزيين.
ترامب نفسه هو من ابتدع فكرة تحويل غزة إلى ريفييرا، بعد تهجير سكانها إلى عدة دول، ولم ير مانعاً لخروجهم منها رغم الرفض العربي والدولي لذلك.
ما حدث أن الرئيس الأمريكي استطاع أن يحشد الجهود الدولية من أجل حل في غزة عنوانه الخطة التي حملت اسمه، وأمكن بسرعة تحقيق توافق حولها وتوقيعها في شرم الشيخ، إيذاناً بوقف الحرب تمهيداً لمراحل أخرى.
هذا الحل السريع بمقاييس التحول في النهج الأمريكي وليس عمر الحرب في غزة وتداعياتها الكارثية، ودأبُ واشنطن في دفع الأطراف المعنية إلى الالتزام ببنود الخطة بما يمنع انهيارها- يواجههما فشل أمريكي في الملف الأوكراني.
هناك بالطبع فوارق بين ملفي غزة وأوكرانيا، لكن من العوامل المؤثرة تمسك الرئيس الروسي الدائم بشروطه في ظل تفوق قواته العسكرية، وحالة الانقسام بين الدول الأوروبية التي لا يريد بعضها التصعيد إلى حد المواجهة المباشرة مع موسكو، فضلاً عن أن واشنطن في عهد ترامب لا تصعّد لهجتها تجاه موسكو إلى حد مقلق للعلاقات بينهما.
وبينما كانت قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين منتصف أغسطس الماضي والود الظاهري بينهما يبشران بحل للأزمة، أصبح الأمل في لقاء ثانٍ تبدو واشنطن أكثر حرصاً عليه، لكنها تحاول رغم التصريحات الهادئة واجتماعات مسؤولين من الطرفين تأكيداً لحرصهما على التعاون- الضغط الحذر على موسكو إلى حد توقيع عقوبات اقتصادية عليها هي الأولى في عهد الرئيس الأمريكي الحالي.
كارثية أوضاع غزة والضغوط العربية والدولية والأخطاء الإسرائيلية تجاه أطراف في المنطقة، والتي بلغت حد الحماقة، مهدت للحل في غزة، لكنّ غياب موقف أوروبي موحد، وصلابة بوتين، وميل ترامب للتهدئة معه-أمورٌ قد تطيل الأزمة في أوكرانيا.