ترامب لا يكف عن التهديد بالتدخل المباشر في فنزويلا، بل إنه لا يخفي رغبته في إزاحة نظام نيكولاس مادورو. غير أنه خلف هذه المشاعر المفضوحة تطلّ رغبات رجل لا يرى السياسة إلّا نظاماً لاحتطاب المال والثروات من كل الدول وبكل الوسائل، وخاصة بالوسائل غير السلمية.
الولايات المتحدة وإن تغيّر حكام البيت الأبيض، فإنّ الهدف واحد، وهو السيطرة على مقدرات الشعوب. فالديمقراطيون كما الجمهوريون يتبعون ذات السياسات الخارجية منذ عقود من الزمن.
لكن مع الرئيس ترامب، هناك التعبير المباشر عن رغبات الهيمنة وحتى تقاسم الثروات عنوة، فقد ألزم ترامب قبل أشهر نظام كييف الصديق، بأن يوقع معه اتفاقيات المعادن النادرة، وفرض ترامب على كل دول العالم رسوماً جمركية، استطاع من خلالها أن يجمع للولايات المتحدة تريليونات الدولارات، ولم يخش في ذلك لوم لائم أو ردة فعل الدول الصديقة والحليفة والدول المنافسة. والآن يضع نصب عينيه ثروات فنزويلا الهائلة التي تسيل لعاب الشركات الأمريكية، ولكنها ثروات غير صديقة، مادام الرئيس نيكولاس مادورو في الحكم.
ومنافسو أمريكا، بل وأعداؤها الثلاثة، الصين وروسيا وإيران، يجدون لهم موقعاً في هذه الدولة، وهذا سبب آخر يجعل البيت الأبيض يفكّر، ليس فقط في تحييد مادورو، كما تحدث ترامب، بل حتى في احتلال البلد، إن لزم الأمر، من أجل الفوز بالثروات الطائلة. وما نيل المعارضة الفنزويلية جائزة نوبل للسلام، منذ أيام قليلة، إلّا دليل واضح على أن الغرب برمّته، وفي المقدمة الولايات المتحدة، قد انتقلوا إلى مرحلة جديدة، شديدة الخطورة، في استهداف دولة فنزويلا.
وقد أشار الرئيس دونالد ترامب الأربعاء إلى أنه منح الضوء الأخضر لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتنفيذ عمليات سرية داخل الأراضي الفنزويلية، لكنه امتنع عن تأكيد ما ورد في التقرير بشأن سعي الوكالة إلى الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو. وعند سؤاله عمّا إذا كان قد سمح ل«السي آي إيه» ب«تحييد» مادورو، وفق ما ذكرت الصحيفة، رد قائلاً: «يا له من سؤال سخيف. ربما ليس سخيفاً تماماً، لكن ألن يكون من السخف أن أجيب عنه؟». لكن ترامب أعلن أمام مراسلين في البيت الأبيض أنه يدرس شن ضربات على الأراضي الفنزويلية، قائلاً: «نحن حتماً ننظر إلى البر الآن، لأنّنا نسيطر على البحر بشكل جيّد للغاية». وأضاف «لقد سمحتُ بذلك حقيقة لسببين»، متهماً مادورو بقيادة نظام «الإرهاب المخدراتي» وإطلاق سراح سجناء لإرسالهم إلى الولايات المتحدة.
لماذا سالَ لُعاب الولايات المتحدة مؤخّراً تجاه فنزويلا، واحتمال غزوها أو قلب نظامها؟ الإجابة تبدو بسيطة وواضحة، هناك غابات فنزويلا الجنوبية الكثيفة، حيث يمتدّ قوس منجمي في «أورينوكو» على مساحة تبلغ 111 ألف كلم مربّع، ويُقال إنه يحتوي على بعض أغنى الاحتياطات المعدنيّة في العالم. وتشير التقديرات إلى وجود نحو 7 آلاف طن من الذهب بقيمة تقارب تريليون دولار، إضافةً إلى الكولتان، وهو خام معدني يحتوي على التنتالوم والنيوبيوم ويُستعمل في الهواتف والحواسيب ومحرّكات الطائرات، وتقدَّر قيمته بين 100 و300 مليار دولار.
ومع احتياطات ضخمة من الماس والبُوكسيت وخام الحديد والنحاس والعناصر النادرة، يُعتقد أن القيمة الإجمالية لثروات القوس تتجاوز تريليوني دولار. وتشير دراسات جيولوجيّة حديثة إلى وجود أدلّة مؤكَّدة على معادن حاملة للعناصر الأرضيّة النادرة في نطاق القوس والمناطق المجاورة له ضمن درع غويانا الجيولوجي، أحد أقدم التكوينات الصخرية على وجه الأرض.
وتشمل هذه العناصر اللانثانوم (La)، والسيريوم (Ce)، والنيوديميوم (Nd)، والبراسيوديميوم (Pr)، والإيتريوم (Y)، والديسبروسيوم، (Dy) والتيربيوم (Tb)، وهي عناصر تُعدّ اليوم جوهريّة في صناعة المغناطيسات الدائمة، والمحرّكات الكهربائيّة، والتوربينات الهوائيّة، وشاشات الأجهزة الإلكترونيّة الحديثة. وإلى الشّمال مباشرة يمتد حزام نفط أورينوكو، وهو من أكبر احتياطات النفط المؤكَّدة في العالم، على طول الضفّة الشماليّة للنهر. يحتوي على نحو 1.2 تريليون برميل من النفط الثقيل جدّاً، منها حوالي 300 مليار برميل قابلة للاستخراج، وهذه القدرات تجعلها مورداً استراتيجياً حاسماً في توازنات الطاقة الدولية.
فنزويلا تحت أنظار ترامب
28 أكتوبر 2025 00:29 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 أكتوبر 00:29 2025
شارك