رون بوسو*

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازم على تشديد الخناق على صادرات النفط الروسية، لكن هذه المرة عبر الهند، أكبر مشترٍ جديد لنفط موسكو، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
وفي تصريح لافت، قال ترامب إن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تعهّد بوقف شراء النفط من روسيا، رغم أن نيودلهي لم تؤكد ذلك بعد، غير أن هذه الضغوط، لو نجحت، ستدفع النفط الروسي نحو سوق الظل المتنامية، التي باتت ملاذاً للبراميل المحظورة.
منذ فرض الغرب عقوباته على موسكو، تحولت الهند إلى شريان اقتصادي حيوي لروسيا، فبحسب وكالة الطاقة الدولية، استوردت نيودلهي نحو 1.9 مليون برميل يومياً من النفط الروسي، خلال الشهور التسعة الأولى من عام 2025، أي ما يعادل 40% من صادرات موسكو النفطية.
ويأتي الضغط الأمريكي الجديد، بينما تواصل كييف استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، في وقت يحاول فيه ترامب إعادة الانخراط في الملف الأوكراني، بعد أن توسط اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بل وأعلن أيضاً أنه سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة جديدة، بعد اتصال هاتفي ناجح بينهما.
هذه المؤشرات جميعها تدل على أن الغرب يستعد لمرحلة جديدة من الضغط الاقتصادي على الكرملين، وأن أي انفراج دبلوماسي مرتقب لن يوقف محاولات واشنطن لتقليص واردات الهند من النفط الروسي.
من المرجّح أن تستجيب نيودلهي للضغوط الأمريكية، ضمن صفقة تجارية أوسع، خاصة بعد أن فرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 25% على واردات السلع الهندية، رداً على تعاونها النفطي مع موسكو. بالفعل، بدأت بعض المصافي الهندية التحضير لتقليص مشترياتها من الخام الروسي، رغم أن الأثر الفعلي لن يظهر قبل ديسمبر/ كانون الأول المقبل على الأقل.
وتواجه المصافي الهندية تحدياً آخر يتمثل في الحظر الأوروبي المرتقب على واردات الوقود المكرر من الخام الروسي، اعتباراً من 21 يناير/كانون الثاني 2026، علماً أن أوروبا تمثل أكثر من ثلث صادرات الهند من الديزل ووقود الطائرات.
ومن المتوقع أن تكون هذه الإجراءات مؤلمة اقتصادياً، إذ اعتادت المصافي الهندية على تحقيق هوامش أرباح مرتفعة، بفضل الخصومات الكبيرة، التي تقدمها موسكو على نفطها مقارنة بالأسعار العالمية.
كما أن العلاقات النفطية بين البلدين أصبحت متشابكة جداً، فشركة «ريلاينس»، التي تمتلك أحد أكبر مجمعات التكرير في العالم غربي الهند، وقّعت العام الماضي اتفاقاً ضخماً لمدة عشر سنوات مع شركة «روسنفت» الروسية، لتزويدها بنحو 500 ألف برميل يومياً.
لكن لو افترضنا أن الهند قررت فعلاً تقليص مشترياتها النفطية من روسيا، فإلى أين سيذهب هذا النفط؟ من المرجح أن تستغل الصين الفرصة لزيادة وارداتها، إذا اتسع نطاق الخصم بين الأسعار الروسية والدولية، فبكين ما زالت أكبر زبون للنفط الروسي، إذ استوردت نحو 2.1 مليون برميل يومياً، بين يناير/ كانون الثاني وسبتمبر/ أيلول الماضيين، أي ما يعادل 18% من إجمالي وارداتها النفطية، كما عززت هذا العام علاقاتها في مجال الطاقة مع موسكو، بما في ذلك استيراد الغاز الطبيعي المسال من منشأة روسية.
ومع ذلك، اعتادت الصين تجنّب الاعتماد المفرط على أي مُورّد واحد، إذ لا تتجاوز حصة أي بلد أكثر من 20% من وارداتها النفطية، وبناءً على ذلك، من غير المرجح أن تستوعب بكين كامل الكميات، التي قد تتوقف الهند عن شرائها.
يُضاف إلى ذلك أن ترامب يمارس ضغوطاً موازية على الصين لتقليص مشترياتها من النفط الروسي، وسط تصاعد التوترات التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم، لذا، قد تتردد بكين في تحدي واشنطن أكثر، خاصة في ظل قدرتها الحالية على شراء النفط بأسعار منخفضة من مصادر متعددة.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الكميات المتبقية من النفط الروسي ستتجه إلى السوق السوداء المتنامية، حيث تعمل شبكة معقدة من الناقلات القديمة على التحايل على العقوبات الدولية.
ووفقاً لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، فإن 69% من صادرات روسيا البحرية من النفط في سبتمبر، نُقلت بحراً عبر ما يُعرف ب«أسطول الظل»، وهي سفن تنقل حمولتها إلى أخرى في عرض البحر لإخفاء مصدر الشحنات. بمعنى آخر، فإن النفط الذي كان يتدفق مباشرة إلى الهند، قد يجد طريقه مجدداً إليها، لكن عبر مسارات يصعب تتبعها.
ومع أن فقدان سوق رئيسية مثل الهند، سيقلص قاعدة مشترين من موسكو ويجبرها على بيع النفط بخصومات أكبر، مما يقلص عائداتها، إلا أن تراجع الأسعار العالمية للنفط والغاز يفاقم أصلاً من الضغوط على الميزانية الروسية.
لكن في نهاية المطاف، فإن محاولات الغرب لخنق قطاع النفط الروسي العملاق، لن تُحدث على الأرجح تراجعاً فعلياً في إنتاجه أو صادراته. كل ما ستفعله هو زيادة ضبابية السوق، وتحويل تجارة النفط الروسي إلى شبكة أكثر تعقيداً وغموضاً.
* كاتب متخصص في شؤون الطاقة
(رويترز)