معظمنا قرأ عما يسمى بالمدينة الفاضلة التي نبعت من الفلسفة اليونانية، والعصور الوسطى، وكانت تقدم تصوراً لمجتمع من العدل والجمال والانسجام بين الإنسان والطبيعة.
وبغض النظر عن وجود هذه المدينة، بشكل كامل أو جزئي، إلا أنها بقيت ماثلة في الوجدان البشري، يتم استدعاؤها في كل مكان يشهد حروباً وفقراً وعوزاً.
في عصرنا الحالي، ظهر مفهوم المدينة الذكية، وهي تقوم على البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، لإدارة هذه المدينة من الطاقة إلى الحركة والخدمات ونحوها من المهام الحياتية. هذه المدينة بطريقة أو أخرى تقربنا من مفهوم المدينة الفاضلة، التي تسمو فيها العدالة وحق تكافؤ الفرص وشمولية الخدمات، لأن المدينة الذكية تقوم على تقنيات توزع الخدمات وتسهلها، وتجعلها في متناول الجميع دون استثناء، وبكفاءة، فالتقنيات الحديثة تمكنت من تحرير العمل من القيود، ونجحت في ربط الناس بمختلف أرجاء العالم، وأيضاً فتحت أبواباً واسعة من الابتكار والتميز.
التقنيات الحديثة، على اختلافها وقوتها، حققت فوائد كثيرة، وغير مسبوقة، للإنسان، وما كان بالأمس ينجز في سنوات أو شهور طويلة، بات إنجازه في ساعات قليلة ممكناً.
في ما مضى من التاريخ البشري، الضارب العمق في الزمن، كانت المدن تقيس نجاحها بارتفاع أسوارها، على سبيل المثال، لكونها تحمي السكان من الغزاة. أما في عصرنا الراهن، فإن القياس مختلف تماماً، حيث يركز على ارتفاع مستوى معيشة الإنسان نفسه، وبالتالي، فإن الحضور التقني أسهم في وجود عدالة ومساواة، ومن المهم أن نستمر في برمجة هذه الأدوات التقنية لتحقق الغرض منها وهو سعادة الإنسان وتحقيق الرفاه.
منذ الحقبة الزمنية الماضية، التي حلم فيها الإنسان بالمدينة الفاضلة، وحتى عصرنا الحاضر، الذي نشاهد فيه المدينة الذكية، استغرقت البشرية قروناً طويلة للوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها ذلك الحلم بالعدالة والمساواة، ونحوها من الحاجات البشرية، ممكن التحقق، ومع هذا يبقى دور الإنسان محورياً وماثلاً، فهو من سيحسم ويدعم هذا الحلم وليس التقنية، لأن الأخلاق والضمير والمبادئ الخيرة في الوجدان الإنساني تبقى هي التي توجه نحو تحقيق حاجات الناس، في كل زمن ومكان.