حسن إبراهيم العيسى النعيمي

منذ أن ارتفع شعار «العالم قرية صغيرة»، والعولمة تُقدَّم بوصفها ذروة التطور الإنساني ووسيلة لتقارب الأمم والشعوب، غير أن الفكر الذي يقف وراءها -المتخم بإيمان مفرط بالسوق والربح والتكنولوجيا- تجاهل تحذيرات عميقة أطلقها مفكرون منذ قرون، أمثال ابن خلدون الذي نبه إلى أن لكل أمة عمرانها وثقافتها ونسقها القيمي الخاص، وأن محاولات طمس هذه الخصوصية أو استبدالها بنمط واحد إنما تؤدي إلى فساد العمران وسقوط الحضارات.
لقد أراد صناع العولمة توحيد العالم في نموذج واحد من التفكير والإنتاج والاستهلاك، متناسين أن الحضارة الإنسانية لا تنمو إلا بتعدد روافدها وتفاعل خصوصياتها. وهكذا، باسم الانفتاح، فُرضت مركزية ثقافية جديدة، وأُقصيت الهويات المحلية لصالح «ثقافة عالمية» بلا جذور ولا روح.
واليوم، بعد عقود من اندفاع العولمة المتطرفة، بدأ العالم يدرك خطأ هذا المسار، فالدول تعود إلى بناء الأسوار بدل الجسور، وتعيد الاعتبار لاقتصادها المحلي وقيمها الوطنية، مخالفة بذلك مبادئ التجارة الحرة التي قامت عليها منظومة العولمة ذاتها، إنها مفارقة التاريخ: العولمة التي أرادت محو الحدود، هي ذاتها التي أعادت إحياءها.
* أولاً: تطرف العولمة: من فكرة إلى أيديولوجيا
لم تكن العولمة في بدايتها فكرة شريرة، فقد نشأت بوصفها وعداً بالانفتاح والتبادل الحر وتسهيل التواصل بين الأمم، غير أنها تحولت تدريجياً إلى أيديولوجيا اقتصادية وثقافية تقوم على تقديس السوق وتهميش الدولة، وعلى فرض نمط استهلاكي موحد يتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة.
تحت شعارات الحرية والانفتاح، أُعيد تشكيل العالم وفق مصالح القوى الكبرى والشركات العابرة للقارات، التي لم تعد ترى في الإنسان إلا مستهلكاً، ولا في الثقافة إلا سلعة، أُضعفت الدول الوطنية، وتآكلت الطبقات الوسطى، وتراجع الإنتاج الحقيقي لصالح المضاربات والأسواق الافتراضية.
وفي ظل هذا الزخم، سُحقت الخصوصيات الثقافية، فغدت العواصم متشابهة الملامح، والمجتمعات فاقدة لهويتها، والإنسان أكثر عزلة واغتراباً رغم كثافة الاتصالات، لقد تحولت العولمة من وسيلة للتقارب إلى أداة للهيمنة.
* ثانياً: ردّ الفعل العالمي: عودة الحواجز وصعود القومية الاقتصادية
لكن كل تطرف يولد نقيضه، فمع الأزمات المالية المتكررة، وأزمة سلاسل الإمداد، وحروب الموارد، بدأت الدول تعيد النظر في منطق العولمة المفرطة، تراجعت الثقة بالمؤسسات الدولية، وارتفعت الأصوات المنادية بالحمائية الاقتصادية وإعادة التصنيع المحلي، بل وحتى باستعادة «السيادة الغذائية» بعد أن أثبتت الأزمات هشاشة الاعتماد على الخارج.
الولايات المتحدة -رائدة العولمة الليبرالية- نفسها سنّت قوانين تحفز الإنتاج الوطني وتمنع تسرب رؤوس الأموال والتكنولوجيا إلى الخارج. وأوروبا التي تبنت السوق المفتوح بدأت تشيد الحواجز الجمركية وتغلق أبوابها أمام الهجرة، أما الصين، فتبني نموذجها الخاص من (العولمة الانتقائية)، التي تدمج الانفتاح الاقتصادي بالسيطرة السياسية والثقافية. لقد دخل العالم طور ما بعد العولمة: انكفاء الدول على الداخل، وولادة تكتلات اقتصادية مغلقة، وعودة الدولة إلى مركز المسرح بعد عقود من تراجعها أمام السوق.
* ثالثاً: المفارقة الكبرى: أقصى اليمين يقود إلى أقصى اليسار
في هذا المشهد، تصح مقولة اليساريين بأن «أقصى اليمين يقود إلى أقصى اليسار، والعكس صحيح» فالعولمة التي انطلقت من أقصى اليمين الاقتصادي -حيث السوق الحر هو الملاذ الجديد- انتهت إلى نتائج تشبه ما حذر منه أقصى اليسار الاشتراكي: تمركز الثروة، واتساع الفوارق الطبقية، وانفجار الغضب الشعبي ضد رأس المال المتوحش.
وها هي الدول، بعد أن خصخصت كل شيء، تعود اليوم لتتدخل في كل شيء: تنظم، تراقب، وتفرض القيود لحماية مواطنيها واقتصادها الوطني.
* رابعاً: انعكاسات الانكفاء على الاقتصاد والحياة
انكماش العولمة لا يمر بلا كلفة، فالتجارة الدولية تتباطأ، وسلاسل الإمداد تتفكك، والاستثمارات العابرة للحدود تتراجع. ومعها يتراجع النمو العالمي، وتزداد احتمالات دخول العالم في كساد كبير ثانٍ يشبه أزمة الثلاثينات.
ربما لا يمكن للعالم أن يعود إلى ما قبل العولمة، لكن يمكنه أن يتجاوز تطرفها، فالبشرية لا تحتاج إلى عولمة اقتصادية متوحشة ولا إلى انغلاق قومي عقيم، بل إلى عولمة إنسانية متوازنة.
إن الدرس الذي يجب أن يُستفاد هو أن الحضارة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في نموذج واحد، ولا أن تُدار بعقل اقتصادي بحت، بل يجب أن تُبنى على التوازن بين الكونية والخصوصية، بين الانفتاح وحماية الهوية، وبين السوق والإنسان.
فالعالم ليس قرية صغيرة كما قيل، بل حديقة كبرى تتعدد أزهارها وألوانها، وكل محاولة لطلائها بلون واحد إنما تقتل جمالها وحياتها.
وما لم تدرك القوى الكبرى هذه الحقيقة، فستعيد البشرية إنتاج أزماتها، حتى تصل في النهاية إلى يقين ابن خلدون: أن لكل أمةٍ عمرها وثقافتها، وأن التغيير القسري لا يصنع حضارة، بل يُنذر بانهيارها.