وليد عثمان
من «المجتمع» إلى «الأسرة»، يتعاقب عنوانا عامي 2025 و2026 في الإمارات بشكل يتجاوز مجرد الحفاوة بقيم أساسية يحتويها العنوانان إلى ما هو أبعد وأهم، وما يخرج من الإطار المحلي إلى العالمية في وقت تسود فيه شعارات وحركات وممارسات معاكسة.
في العنوانين قبض على قيمة الحاضنتين الاجتماعيتين الأهم في حياة الفرد: المجتمع، والأسرة، باعتبار كل منهما أيضاً نموذجاً مصغراً وملخصاً للوطن، وحتمية الانتماء إليهما في وجه موجات التغريب والانسلاخ من أي روابط، والتشجيع على التحلل منها، أو «التحرر».
ولا شك أن تقنيات العصر تلعب دوراً في شيوع هذه الموجات، فهي، من جهة، تزيّن للفرد الانفصال التدريجي عن محيطه، وتنقل ولاءه من البشر الحقيقيين في حياته إلى آخرين معظمهم افتراضيون لا يجمعه بهم إلا علاقات طارئة وغير قابلة للاختبار، ومن جهة أخرى، تتفرد هذه التقنيات بمعظم مستخدميها وتصنع لهم إطاراً قيمياً لا مرجعيات حقيقية له. وفي هذا المجتمع المتوهم، تتنافس الأفكار والنزعات في اختطاف العقول والأفهام وحشوها بتصورات وأفكار لا يقف خطرها عن الفرد، بل يتخطاه إلى المجتمع الحقيقي، وما يرتكن إليه من قيم اجتماعية ودينية.
ويصعب حصر تلك الوقائع والتوجهات المريبة التي تنبت أولاً في الفضاءات غير الحقيقية التي تنشأ فيها العلاقات الخطرة وترتد نتائجها على المجتمع الحقيقي الذي أصبحت مكوناته ومؤسساته بحاجة إلى بذل جهد أكبر في تحصين أفراده وصد التهديدات المحيطة بهم من كل جانب.
وهذه ليست مشكلة تهدد مجتمعاً بعينه، فكل مكان طالته التقنيات وشاعت فيها أصبح، رغم إيجابياتها التي لا يمكن إنكارها، في اختبار قاس لقيمه وروابطه الأصيلة التي تشذ الأجيال الجديدة عنها، إما تمرداً أو رغبة في التجريب أو سقوطاً في فخاخ جماعات تحب أن تشيع الفوضى الصريحة أو المستترة، ومن بعدها تنفتح أبواب المجهول والمقامرة بمصائر الأوطان والشعوب.
بهذا يكون الوقوف عند عناوين، مثل المجتمع والأسرة، وربط كل منهما بعام في الإمارات، انتباهاً إلى مثل هذا التحدي لا يقف عن الإعلان، بل تترجمه وقفات وممارسات تهدف كلها إلى تقوية البناء المجتمعي في وطن يتقدم بسرعة فائقة، لكنه لا يغلق عينيه عن ثروته الأهم منذ التأسيس وإلى اليوم: الإنسان.
إعادة الإنسان إلى جذره الاجتماعي الأهم، وهو الأسرة، هي وعي بضرورة أن يتسلح بكل ما يعنيه هذا الكيان من قيم، وأهمية أن يكون مدرسته الأولى ومرجعيته الأوثق في فهم محيطه والتعامل مع التحديات العابرة للحدود، ومن ثم لا يكون الفرد مستنداً إلى روابط وهمية أو خطرة تمحو وعيه الذاتي أو تشتت فكره، وقد تجعله خطراً على ما سواه.
القيم الأسرية والمجتمعية هي مرة أخرى مشتركات بين أبناء الوطن، في ضوئها تبين المسالك القويمة للفرد، فيصبح، مهما ارتقى في التعامل مع مستجدات العصر، محمياً من الزلل، مشدوداً إلى هوية لا تذوب.