كلّما أعطى تمتدّ قامته فيصير ظلّه شارعاً كلّما ضحك، يُزهر في صدره شجر، وتصير يده جناحاً. يربّت على النبض، ويقول للمُنهَكين: خذوا من قلبي طريقاً، لن يضلّ بكم.
حين يمنحُ يطول، حتى يلامس الغيم، يخبئه في جيبه، ويلعب به كما لو كان حلوى، تلتفّ الغيمات حول عنقه كوشاح، ويضحك، فيظنّ السكّر أن له أخاً أكبر.
كلما اقترب من قلب، أخذ منه الحزن، وترك شيئاً من نوره، ثم رحل كما تفعل المعجزات: صامتاً، لكن بوقْعٍ لا يُنسى. حين يعانق العالم، ينكمش الغياب فجأة، ويخجل.
هو لا يلامس الغيم فقط، هو من أوحى له بأن يكون حلوى.
حسن حداد، البحريني الفنان الذي ما إن يمسك عوده حتى تتوالى النغمات كأنها قوس قزح، تلون ما حولها من أماكن وشخوص فتضيف جمالاً وبهاء لا يتكرر.
يعرف أن على الفنان أن يكون أكثر التزاماً من السياسيين والاقتصاديين والعامة، أن يحمل في قلبه قضية لا تتماهى مع الوقت ولا تخبو حين يبتعد عنها كل مناصريها، ولهذا صار اسمه مرتبطاً بفلسطين وصارت غزة مدينة آماله البعيدة القريبة.
أينما وجد تواجدت معه قضية خالدة: هموم مظلوم، صرخة شجرة، رغبة في نشر السلام في كل الدول وحماية كل طفل وكل عشبة وكل قطرة ماء.
هو البحريني الذي لم يجد نفسه إلا ابن هذي الحياة بكل أرضها وسمائها، بكل دولها وشعوبها.
لم يداعب أوتار عوده لينتج لحناً يتماشى مع «الشارع عاوز كده» ولم يكتب لحناً إلا وكان وقاره حاضراً قبله. هو الذي تتحول أمسياته إلى قصة، وقصصه إلى موضوع، ومواضيعه إلى صرخة في وجه كل خطأ وشر وجحود.
حسن حداد فخر كل بحريني وصوت كل مواطن حر لا يعرف التلون ولا خذلان من يحتاج منه إلى وقفة أو عون.

[email protected]