يستعد مجلس الأمن الدولي للتصويت على مشروع قرار أمريكي لتثبيت إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، بعد مخاض استمر أسابيع شهد تعديلات على المسودة الأصلية، التي وجدت معارضة من روسيا والصين بسبب تضمنها نقاطاً غامضة بشأن «مسار تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية»، وهوية «مجلس السلام» وصلاحيته ومدة عهدته، فضلاً عن دور قوة الاستقرار الدولية ومهمتها المستقبلية في ضبط الأمن وتيسير خطط إعادة الإعمار.
بعد تجاذبات وانتقادات كثيرة، أعادت واشنطن طرح مشروع القرار مجدداً مدعوماً بمواقف ثماني دول عربية وإسلامية، بينها الإمارات، وسط تفاؤل بإمكانية اعتماده في جلسة التصويت غداً الاثنين. وترجح أوساط دبلوماسية أن تحصل المسودة الأمريكية على الأصوات التسعة اللازمة لتمريرها مع احتمال أن تمتنع روسيا والصين عن التصويت بدل استخدامهما «حق النقض» وتجنب معركة حول غزة بين القوى الكبرى على طاولة مجلس الأمن، مع ما يستتبع ذلك من هدر لفرصة قد تكون مناسبة للعبور إلى المراحل التالية من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم الشهر الماضي في قمة شرم الشيخ.
المهم في القرار ليس حصوله على التفويض الشرعي من مجلس الأمن، بل آلية تطبيقه والتزامه بالأهداف المعلنة، وفي صدارتها انتهاء الحرب وبدء عهد جديد من الاستقرار وتسريع عمليات الإغاثة الإنسانية ووقف الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة. ورغم وجود بعض التفاؤل بأن تكون النوايا صادقة والتنفيذ حيادياً، هناك مخاوف مشروعة من أن يكون مصير القرار المتوقع على غرار عشرات القرارات السابقة، التي اتخذها مجلس الأمن بدعم أمريكي، ولكنها بقيت حبراً على ورق ولم تلتزم بها إسرائيل، واصطنعت المبررات لإبطالها، وقد تفعل الشيء نفسه مع هذا القرار، في ضوء توجهات الأجندة المتطرفة الحاكمة اليوم في تل أبيب، والتي مازالت تفكر في استنئاف الحرب بذريعة أن أهدافها لم تتحقق، ومنها نزع السلاح من فصائل القطاع وتهجير ما أمكن من السكان بطرق وخدع كثيرة أُحبط الكثير منها حتى الآن.
قرار مجلس الأمن المرتقب لا يمكن أن ينجح من دون ضمانات أمريكية صريحة ومباشرة بإلزام إسرائيل بالانصياع للإرادة الدولية ووقف ذرائعها واعتداءاتها التي لم تتوقف في غزة منذ 37 يوماً. كما يجب على هذا القرار أن يخرج من منطق الصفقة المؤقتة والمصالح الآنيّة إلى توفير أرضية سياسية واعدة يتأسس عليها «مجلس السلام»، الذي سيترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظرياً لفترة انتقالية محددة بعامين حتى نهاية 2027، وستدعمه «قوة استقرار دولية مؤقتة» ستعمل مع إسرائيل ومصر والشرطة الفلسطينية المدربة حديثاً، للمساعدة في تأمين المناطق الحدودية ونزع السلاح من قطاع غزة. وهذا كله سيكون ضمن مسار يقود إلى إمكان قيام دولة فلسطينية مستقبلية.
الحرب الإسرائيلية على غزة لن تنتهي عملياً إلا بنوايا أمريكية صادقة وصدور قرار من مجلس الأمن ببنود واضحة تلتزم بها جميع الأطراف، خاصةً قوة الاحتلال إسرائيل، فيمكن حينها وضع أسس ثابتة ومستدامة للسلام الإقليمي، ويمكن لأهالي قطاع غزة طي الصفحة الدموية المؤلمة واستعادة الأمل، ليس في الحياة الكريمة فحسب، بل أيضاً في المستقبل وفي المجتمع الدولي الذي تجاهل قضيتهم لعشرات السنين.