ختامُ معرضِ الشارقة الدوليّ للكتاب ليس نهايةَ حدث ثقافيّ، بل بداية حكاية جديدةٍ مع الوعي والمعرفة، فحين غادر الزوّارُ أروقة المعرض، ظل عبق الورق يملأ المكان، كأنّ الكتب تأبى الرحيل، بقيت الكلمات عالقة في الذاكرة، تتردّد كصوت داخليّ يقول:«إنَّ الثقافةَ لا تُختتم، بل تُورَّث في القلوب والعقول».
لقد أثبتت الشارقة مرّة أخرى أنّها لا تُنظِّم معرضاً للكتاب فحسب، بل تصنع حياة كاملة من الفكر والجمال والإلهام، تلك الأيامُ جعلت الشارقة تشبه القصيدة في أبهى بحورها الشعرية، حيث تلتقي القلوب والعقول على محبّة الكلمة.
امتلأت القاعات بالقُرّاء والمُفكّرين والمُؤلِّفين وطلابِ المدارس والجامعات، واختلطت الأسئلة بالدهشة، والنقاشات بالابتسامات، ومن كلِّ زاوية وُلد حلم جديد بالمعرفة، ومن كلّ لقاء انطلقت فكرة قادرة على الإبداع، وكأنّ المشهد لوحةٌ إنسانية واسعة، خُطّت فيها عبارة جميلة: «القراءةُ تجمعنا».
وفي ناحية من المعرض، تنوّعت الوجوه والغايات: أطفالٌ يحتضنون كتبَهم الأولى بفرح الاكتشاف، وشباب يتبادلون الحماس حول مؤلَّف جديد، وكبار يعودون إلى ذكرياتهم مع القراءة الأولى، أما الكُتّاب والمُفكّرون فكانوا يُوقِّعون كتبهم في ركن التواقيع، وسط دفء اللقاء ونظرات الامتنان.
وفي الزاوية الأخيرة من القاعة، وقف طفل اسمه خالد يحمل بين يديه الصغيرتين كتابَه الجديد، كمن يحتضن الحُلم بالمعرفة، حدّق في غلافه طويلاً، كأنّه يُوَدِّع صديقاً عزيزاً، ثم رفع رأسه ببطء وبدأت الأضواء تخفت تدريجياً، وهمس بصوتٍ خجول للكتاب: «سأنتظرك حتى نلتقي في العام القادم... فللكتاب موعدٌ لا يُنسى، ووعد لا يُخلفه الزمن».
كانت تلك اللحظةُ البريئةُ أجملَ وداعٍ، عند عتبة الباب، توقَّف خالدٌ وابتسم بصمتٍ وقد غابتِ الجموع، تاركاً خلفه حرفاً لم يكمل الحكاية بعد. ربما تُروى في مكان آخر، أو في مقالٍ قادم، وحين يعود الحرف تبدأ الحكاية من جديد.

[email protected]