يستفزك إلى حدّ ما، كما يقولون، أن تشاهد فيلماً سينمائياً أو دراما سينمائية أو تلفزيونية لا يذكر أبداً سنة إنتاجها أو عرضها، وبخاصة الأفلام، وتحديداً أفلام السبعينيات في السينما المصرية، حيث يخلو الكثير منها من عام إنتاج هذا الفيلم أو ذاك، أو متى كان إخراجه وعرضه.
ملاحظة قد تبدو ساذجة أو عابرة، لكنها تعبّر عن غياب العلاقة الوجودية والضرورية مع الزمن، في حين تظهر في الأفلام معلومات عن الأمكنة أو الاستوديوهات التي جرى فيها التصوير، وإلى آخر هذه التفاصيل الفنية.
ليس لنا علاقة بالزمن، بقدر ما لنا علاقة مباشرة مع المكان، وفي حين يحيلك المكان إلى الجغرافيا، فإن الزمن يحيلك إلى التاريخ، ولذلك، تبدو علاقتنا الثقافية أحياناً مع التاريخ هامشية إلى درجة ذلك الاستفزاز «إلى حدّ ما».
نهتم، عملياً، بالأسئلة الاستفهامية ذات الصلة بالمكان: كيف؟ وأين؟ ذلك أن الإنسان العربي، كما يبدو، يحب التفاصيل وسردها وكيفية بناء العلاقات الحكائية بينها، في حين يغيب الاستفهام الأهم وهو: متى؟ لأن «متى» هذه زمنية وليست مكانية، إنها تاريخية، وليست محددة بجغرافيا في حدّ ذاتها.
تأخذك هذه الاستنتاجات الاجتهادية، القابلة للنفي أو للإثبات، إلى قصة الكثير ممن ولدوا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وهؤلاء يحملون شهادات ولادة تُسمّى في دوائر الأحوال المدنية بـ«تقدير السنّ».
يسأل موظف استخراج هذه الشهادات الأب الذي جاء لطلب شهادة تقدير سن لابنه: «أين ولد ابنك؟»، فيجيبه بسرعة: «ولد في بيت العائلة الكائن في المكان الفلاني»، ولكن حين يسأله: «متى ولد ابنك؟»، فإنه لا يعرف شيئاً، وقد نسي تماماً اليوم والشهر والسنة، أي نسي الزمن، في حين يظل المكان ماثلاً في الذاكرة بكل مادّيته، وصوره، وكينونته، وفي بعض الحكايات العائلية يتذكر الأب أن ابنه ولد في سنة المطر الكبير الذي أغرق المحاصيل والماشية والناس، أو أن ابنه ولد في سنة الهجرة من البلاد، أو في سنة «الثلجة الكبيرة»، يقصد «سنة هطول الثلج»، أي أن الزمن هنا يرتبط بحدث أو واقعة تتحوّل إلى تاريخ.
وأقرأ أحياناً مادة ثقافية عن شاعر أو روائي أو رسام، وقد ذكر الكاتب كل شيء في هذه المادة ما عدا العام الذي ولد فيه هذا الكاتب أو الفنان، ومتى كانت وفاته.
لقد كان العربي منذ فجر تاريخه الثقافي والإنساني كائناً مكانياً، وليس كائناً زمنياً، فهو وماشيته وعائلته في قديم الزمان العربي كان يرتحل وراء الماء والكلأ، وحين يغادر مكانه هذا يتحوّل المكان في ذاكرته إلى طَلَل يحنّ إليه، ويبكي عليه، لكنك إذا سألته: متى جرى كل ذلك؟ متى تركت طَلَلَك؟ ومتى تركت عشبك وماءك؟ يضع رأسه في الأرض، ويقول: لا أعرف.
نحن مكانيّون ولسنا زمنيين
20 نوفمبر 2025 00:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 نوفمبر 00:12 2025
شارك