د. إدريس لكريني

يمرّ العالم بظرفية مفصلية، تقتضي بلورة جهود جدية لإرساء مناخ سمته التعايش والسلام والتعاون والتنسيق لمواجهة مخاطر مشتركة وعابرة للحدود، بصورة تسمح بمحاصرة خطابات التطرف والصراع والصدام، وتتيح مواجهة التهديدات العسكرية وغير العسكرية التي باتت تشكل خطراً حقيقياً يواجه الإنسانية جمعاء. وهي مرحلة تُسائل كل عقلاء العالم لتحمل المسؤولية تجاه كوكب الأرض الذي أصبح معرضاً لمختلف الأخطار والتهديدات في أبعادها العسكرية والبيئية والمناخية..
لقد بات من الواضح أن الضوابط التقليدية التي أقرّها القانون الدولي ومختلف المواثيق والمعاهدات الدولية، لم تعد قادرة على مواكبة واحتواء التحولات الدولية الراهنة، بتعقد وتسارع أزماتها وتشابك قضاياها، ما يفرض تطويرها، والبحث عن سبل موازية تسهم في تعميق التواصل والحوار الدوليين عن طريق ترسيخ سلام دولي مستدام، يدعم تحقيق الديمقراطية والتنمية، وكذا تعزيز الصمود الجماعي أمام مختلف المخاطر والتهديدات. وفي هذا السياق، تُطرح أهمية الدبلوماسية الموازية التي يمكن أن تقودها الكثير من الفعاليات الدولية من جامعات ومراكز بحثية ومجتمع مدني عالمي وإعلام بنّاء.. إلى جانب الدبلوماسية الروحية التي تنطوي على أهمية كبرى بالنظر إلى ما يميّزها من «قداسة» واستحضار للمشترك الإنساني والحضاري.
ظل العالم منشغلاً لعدة عقود بصراعات الحرب الباردة في أبعادها العسكرية والأيديولوجية والاقتصادية، ما حال دون الالتفات إلى مجموعة المخاطر التي ظلّت تتهدّد الإنسانية جمعاء، حيث تمّ ربط تحقيق السلم والأمن الدوليين في هذه المرحلة من تطور العلاقات الدولية بغياب الصراعات والمواجهات العسكرية.
وفتحت أجواء ما بعد الحرب الباردة التي عمّرت بصراعها الأيديولوجي لأكثر من نصف قرن، المجال لظهور نقاشات أكاديمية وسياسية، حاولت رصد التفاعلات الدولية المقبلة، حيث ظهرت مقولة «صدام الحضارات» للباحث الأمريكي «صامويل هانتنغتون» التي اعتبر فيها أن الصراعات الدولية ستكون في المستقبل بين الأمم والمجموعات الثقافية والحضارية المختلفة لا بين الدول، وأكد خلالها أن الصدام سيتخذ صورتين: الأولى تتمحور حول تنامي النزاعات العنيفة على مستوى حدود الفصل بين هذه الحضارات، والثانية بروز منافسة حادّة ذات طابع عسكري واقتصادي مع الصراع حول السيطرة على المؤسسات الدولية والمنافسة أيضاً على مستوى ترويج القيم الدينية والسياسية.
لم تصمد مقولة (صدام الحضارات) التي تَبين أنها تنطوي على خلفيات سياسية أكثر منها علمية، في تفسير مستقبل العلاقات الدولية، أمام الانتقادات التي وجهت إليها، وأمام واقع تشابك العلاقات الدولية على المستويين الحكومي والشعبي، فرغم التمايزات التي تطبع الحضارات الإنسانية، إلا أنها تشترك جميعها في الكثير من المبادئ والمقومات، على اعتبار أنها نهلت من مكونات وتراكمات مشتركة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية، وبخاصة مع تراجع مفهوم السيادة المطلقة.
لقد تزايدت الأخطار البيئية التي تتهدد الإنسان وباقي الكائنات الحيّة الأخرى على الأرض، بفعل الأنشطة البشرية العشوائية التي تلحق بالطبيعة آثاراً مدمّرة، كما أضحى «الإرهاب» من ضمن أهم العوامل التي تشكّل تحدّياً أمنياً أمام المجتمع الدولي برمته، وتُضاف هذه التهديدات إلى الترسانة الضخمة من الأسلحة المدمّرة والمتطورة التي تملكها الكثير من الدول، مما يشكل تهديداً للإنسانية جمعاء.
إن الظرفية التي يجتازها العالم في الوقت الراهن، من حيث تعقّد الأزمات والنزاعات، وتنامي المخاطر والتهديدات العابرَين للحدود، وتصاعد الخطابات المتطرفة والعنيفة، المقترنة بسباق محموم بين عدد من القوى الدولية الكبرى كالصين وروسيا لإرساء نظام دولي تعددي أكثر انتصاراً للقضايا الدولية، تفرض استحضار المشترك الإنساني بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، والانكباب على تعزيز التعاون وتنسيق الجهود في سياق مواجهة المخاطر التي تتهدد العالم برمته.
رغم قساوتها، شكلت الأزمات على امتداد التاريخ محطّة لاستخلاص الدروس، وللتفكير والتأمل في المستقبل، ولإبداع حلول لقضايا ومعضلات مختلفة ويمكن لتزايد الوعي الدولي بمختلف المخاطر الجماعية، أن يسمح بأخذ العبر من كلفة الحروب المدمرة والصراعات الطاحنة، ويدفع نحو التركيز على المشترك الإنساني، وتذليل الخلافات ونبذ الصراعات الدولية، ويحفّز على طلب السلام وتعزيز التعاون والتنسيق تحصينا للأجيال القادمة.

[email protected]