عندما يترأس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الاجتماعَ السنوي لمجلس إدارة «أدنوك» من قلب غرف العمليات في الحقول، فنحن أمام رسالة أكبر بكثير من مجرد اجتماع دوري لمراجعة أرقام وخطط. نحن أمام تأكيد عملي، لا يقبل التأويل، بأن الإمارات تضع الاقتصاد في مقدمة أولوياتها، وأن ملف الطاقة يظل في صدارة الاهتمامات، برغم كثرة الملفات وتشعب المسؤوليات على عاتق سموّه.

الاقتصاد مفتاح البناء، والإمارات – كما يَعلم الجميع – أصبحت مرادفاً للتنمية والازدهار واستدامة الفرص. ومن هنا تبرز رمزية مكان الاجتماع، مجمع حبشان، التابع لشركة أدنوك للغاز المسؤولة عن إنتاج نحو 60% من احتياجات الدولة للغاز الطبيعي. فحين يجتمع سموّه في قلب مركز إنتاج النفط والغاز، فكأن الإمارات تقول للعالم: نحن مستمرون في دعم ورعاية منتجنا التقليدي من الطاقة، وفي الوقت نفسه نطوّره ونوسع آفاقه، ولا نترك مستقبله رهينة التوقعات المتشائمة أو القراءات الناقصة.

ولقاء صاحب السمو بقيادات الشركة والعاملين فيها في مواقع عملهم المباشرة ليس تفصيلاً عابراً، بل رسالة تقدير عميقة. إنها تحية من قائد إلى أبنائه الذين يعملون ليل نهار، لا يكلّون ولا يملّون، يوجّهون كل جهد وكل دقيقة لخدمة الإمارات. مشهد يلخص ما تعوّدناه في وطننا الغالي: الجميع على قلب رجل واحد، والهدف الأسمى هو رفعة الإمارات وترسيخ مكانتها بين الأمم.

في ذلك الاجتماع، لنا أن نفرح، ولكن مع الفرح لا بد أن نتأمل ونقرأ الدروس والدلالات. ف«أدنوك» نجحت في رفع الاحتياطيات التقليدية للدولة من النفط الخام من 113 مليار برميل إلى 120 مليار برميل، ومن الغاز الطبيعي من 290 تريليون قدم مكعبة قياسية إلى 297 تريليون قدم مكعبة. هذه الأرقام ليست مجرد زيادات فنية في جداول رسمية، بل دليل حيّ على أن منتجنا التقليدي من الطاقة في حالة ازدهار واتساع وتقدم، برغم أن البعض يتحدث منذ سنوات عن تراجع هذا المورد، فيما يرسم البعض الآخر سيناريوهات متشائمة لمستقبل هذا القطاع الحيوي.

ولهؤلاء جميعاً تقول الإمارات اليوم: «انظروا». فها هي الدولة تخالف تحليلاتكم وتوقعاتكم، لا بالخطابات، بل بالأرقام والخطط والاستثمارات. إذ تعتمد «أدنوك» خطة للسنوات الخمس المقبلة باستثمارات تبلغ 550 مليار درهم، منها 220 مليار درهم سيتم تدويرها داخل الاقتصاد الوطني ليستفيد منها الجميع في مختلف القطاعات والأنشطة، من الصناعة إلى الخدمات مروراً بالتكنولوجيا والبنية التحتية.

أن تنفق الإمارات هذه الأرقام الكبيرة في قطاع الطاقة التقليدية، في وقت تتجه فيه شركات عالمية إلى خفض إنفاقها في هذا المجال، يعني أن الدولة تؤكد مكانتها كمصدر موثوق لإمدادات الطاقة العالمية، وترى بوضوح أن الطلب على الطاقة الأحفورية سيستمر لفترة طويلة، وأن من يستثمر اليوم بعقلية استراتيجية سيحظى بقصب السبق غداً.

لكن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، فالإمارات تستثمر بالتوازي في الطاقة غير التقليدية والمتجددة، وتضع مليارات الدراهم في مشاريع الهيدروجين والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما تنفق بسخاء على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. هنا يتجلى «المشروع الإماراتي» أو «الحلم الإماراتي» بدقّة أكبر: مشروع لا يترك شيئاً يتعلق بأساسيات الحياة لمزاج الأسواق أو تقلبات الأحداث، بل يخطط لكل مسار، ويحضر لكل احتمال، ويتواجد بقوة في كل قطاع مؤثر.

لدينا في كل ملف اقتصادي واستراتيجي خطة واضحة، ومنهج عمل أثبت نجاحه مراراً، وسيثبت نجاحه دائماً، لأننا – بتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة وإخوانه من قيادتنا الرشيدة – تعوّدنا أن نضع معيار النجاح عالياً، ثم نتجاوزه.

دلالات ترؤس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لاجتماع مجلس إدارة «أدنوك» لا تنتهي، وكل واحدة منها تحتاج إلى قراءة متأنية وتحليل عميق، وأيضاً إلى جرعة مستحقة من الفخر والإعجاب. فاقتصاد الإمارات يعيش اليوم أزهى عصوره، ويمرّ بأفضل أعوامه، كما تخبرنا مختلف المؤشرات والتقارير، وهو في كثير من الأحيان يفوق توقعاتنا وما نرنو إليه.

هذا النجاح الاقتصادي ليس صدفة، بل هو ترجمة على الأرض لسياسات واضحة الأهداف، ترى أن الخير الأسمى هو أن ينعم الإنسان في الإمارات – مواطناً كان أو مقيماً – بالاستقرار والفرص والحياة الكريمة. وهكذا بات الخير قريناً للإمارات ورئيسها وكفاءاتها التي لا تعرف الكلل، وشعبها الطيب المعطاء، الذي يثبت كل يوم أن الرهان عليه هو الرهان الرابح دائماً.