د. موزة سيف الدرمكي *
عندما نتحدّث عن الموهبة، يتجه تفكير كثيرين منا نحو الطفل الذي يمتلك براعة في الرسم، أو يحفظ المقاطع والأناشيد بسرعة، أو يظهر مهارة استثنائية لافتة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الآباء والمربين أن الموهبة ليست دائماً أداءً بارزاً أو مهارة واضحة، بل قد تكون طاقة داخلية كامنة، تنتظر من ينتبه لها ويلتقطها منذ الإشارة الأولى.
ففي منازلنا قد يعيش طفل مختلف لا يشبه إخوته ولا حتى أقرانه وأصدقاءه، طفل يُكثر من الأسئلة، أو يدقق في الأشياء ويتأملها بصمت، أو ينسج لنفسه عالماً خيالياً لا يفهمه الآخرون الذين قد ينظرون لسلوكه على أنه غريب أو شغب أو عناد، بينما هو في الحقيقة شرارة لموهبة تتشكل شيئاً فشيئاً.
ومن العلامات الدقيقة التي تستحق انتباه الوالدين والمعلمين: سرعة الفهم، سرعة الإجابة عن الأسئلة، حب التفاصيل الدقيقة، كثرة التساؤلات، عدم الاكتفاء بالإجابات التقليدية، الميل للتجريب، التفكير المنطقي، والقدرة على التركيز الطويل عندما ينشغل بما يحب. حتى العناد والشغب الذي يشتكي منه المعلمون في بعض الأحيان ليس إلا إصراراً على إثبات فكرة يرى الطالب أنها صحيحة أو أنها بسبب مهارات تقدم له من قبل المعلم لكنها لا تناسب شغفه ومستوى قدراته.
وعلى الجميع أن يعوا أن ليس كل متفوق موهوباً، وليس كل موهوب لامعاً وبارزاً، لكنه يعني كل طفل يمتلك شيئاً فريداً تزامن مع وجود من يؤمن به ويشجعه.
هنا يأتي دور الأسرة والمعلمين في الاهتمام بدقة الملاحظة، وتقديم الدعم، وتوفير بيئة تحترم الاختلاف. فالموهبة لا تُعلَّم، بل تُكتشف وتنمّى بالفهم، والتقبل، والتشجيع الذكي، ومنح مساحة للتجريب لهذه الموهبة، من أجل الانطلاق نحو آفاق أفضل وأكثر إبداعاً.
* جامعة كلباء