وليد عثمان

لأن الخسائر البشرية التي خلّفتها الأحداث المتعاقبة في العالم العربي منذ ما حلّ بالعراق، إذا اعتبرناه بداية فصل جديد من المعاناة العربية التي فاقمها «الربيع العربي» وما بعده، لا يمكن حصرها بدقة ولا يمكن تعويضها، فإن هناك من يحاول تقريب فداحة ما حلّ بنا من باب الخسارة الاقتصادية التي تصلح أساساً لمعادلة رقمية.
هذه المعادلة لا تنطوي فقط على ما ضاع من سنوات في مؤامرات وصراعات، وربما خيانات، في بعض الأقطار العربية، وإنما تمتد الحسبة أيضاً إلى ما أنفقه أطراف هذه الأفعال من أموال كانت كفيلة إذا ما وضعت في أوجه صرفها الحقيقية بأن تغير وجه العالم العربي، فلا نرى جراحه تتسع إلى الحد الذي نعرفه اليوم، ولا أجزاء منه في مهب الاقتتال والتقسيم والضعف الذي يجبرها على قبول مخططات تغير ملامحها. بالإمكان، من باب التأسي والاعتبار، التفكير فيما كان يمكن فعله في عشرين عاماً مهدرة، ومليارات من الدولارات حادت عن وجهتها الأساسية، فسُرقت من أموال الشعوب العربية، أو استثمرت في تدمير مقدراتها وخراب مستقبلها.
ورغم كل الهلاك الذي حل بشعوب عربية وأوطانها، فإنه في بعضها من يأبى الاتعاظ ويعتقد أن أوهامه السياسية أهم من أحلام مواطنيه في التمتع بحقوقهم الطبيعية في أوطان آمنة ومستقبل يليق بهم. يفعل ذلك أبناء الوطن الواحد المتحاربون على جثته وجثث شعبه، وكل منهم يدعي الشرعية، ومثلهم الذين يستقوون على أوطانهم بجهات إقليمية ودولية، والذين يكيدون لأوطان شقيقة ويكيلون لها التهم الباطلة، ويدفعون مقابل ذلك ما يمكن استثماره فيما ينفع الناس.
كل هؤلاء يتعامون عن النماذج العربية التي تحصنت ضد المخططات الآثمة، وتعالت على المعارك التافهة المعطِلة وفهمت مبكراً معنى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض عمراناً، واطمئناناً إلى الحاضر، وأملاً في غد لا يولد إلا بوحدة الهدف وثقة متبادلة بين من يحكم وشعبه. إن الحروب العبثية في الواقع، وفي ساحات افتراضية بددت ما كان يمكن استغلاله بوطنية وأمانة أن تتعدد معه نماذج الأوطان الحكيمة في العالم العربي، ومراكز صناعة الأمل، بدلاً من التجارة باليأس وبث الكراهية بين الشعوب العربية واستفحال جراحها.
وسط كل الكلف البشرية والمادية، هل كان أحد يتخيل أن العبث المقصود على منصات التواصل يستنزف مليارات الدولارات، بينما المقاصد الحقة للإنفاق مهملة، فنبلغ حداً تجوع معه شعوب عربية ويعز دواؤها وتنحرف بوصلتها؟ هذا بند واحد جعلته دول وجماعات مقدماً على ما ينفع الناس، فسعت في تدمير أوطان وتغييب شعوب وتشويه من يتصدى لذلك وينفق في خيرات البشر.
ولأن النتائج دوماً بمقدماتها، تتوالى فرص تفضح التدليس والتمسح بالدين والوطنية، ويتعرى المتآمرون في الفضاء الإلكتروني وعلى الأرض، والسفهاء الذين يصادرون ثروات شعوبهم لاستثمارها في إبادتهم ومعارك قطع الطريق دوماً على ما ينفع الناس.

[email protected]