يسرا عادل
في أحد شوارع روما، عند ظل الكولوسيوم تماماً، كنت أتجول بلا وجهة حين لفتتني سيارة تحمل لوحة من دبي. لم تكن السيارة بذاتها ما شدني، بل تلك المفارقة الجميلة، أن ترى جزءاً من وطنك يعبر التاريخ الروماني القديم بثقة عصرية. توقفت، تأملت، وصورت المشهد وكأنني ألتقط لحظة تقول أكثر مما تظهر.
وعندما أخبرت صديقي الإيطالي بما رأيت، قال مستغرباً: «كم من التسهيلات تمنحها بلادكم حتى يعيش شعبكم بهذا القدر من الرفاه؟» لم تعجبني الجملة في بدايتها، بدت مختزلة حد السذاجة، لكنني التقطت أن رأيه ليس انتقاصاً، بل محاولة لفهم شيء لا يشبه ما اعتاده. فاستوعبته...
بعدها بساعات، تحدثت إلى صديقتي التي وصلت لندن للتو، ورويت لها قصة السيارة. ضحكت وقالت: «هنا... السيارات بلوحات دبي وأبوظبي جزء من المشهد اليومي». ومن تلك اللحظة بدأ سيل الصور والرسائل بيننا بعد انضمام صديقة كانت في جنيف بنفس الفترة: مقهى إماراتي في حي مايفير، إعلان لطيران الإمارات عند بوابة المترو، بنك إماراتي في وسط جنيف، شوكولا دبي في رفوف المحال في روما وتجتاح العالم كله.
وعلى مدى ثلاثة أيام استمرت عملية الرصد والتبادل. كم هو جميل أن نغادر من الوطن لنرى في العالم بصمة منه. ولكن كيف لدولة يافعة فتية لا يتجاوز عمرها 54 عاماً أن تكون بهذه القوة في الداخل والخارج، واسمحوا لي هنا أن أستعرض معكم بعض الأرقام.
فالإمارات لم تعد وطناً يُعرف بنفطه، بل بدروسه الاقتصادية التي قلبت المعادلات. أكثر من 70% من اقتصادها اليوم يصنعه القطاع غير النفطي، رقم لا يقول فقط إن الدولة نجحت في التنويع... بل يقول إن المستقبل أصبح صناعة محلية.
وها هو عام 2025 ينتهي بتوقعات نمو تتجاوز 4.9%، وقطاع غير نفطي يواصل صعوده بثقة، فيما تتخطى التجارة الخارجية حاجز 2.8 تريليون درهم لأول مرة. هذه ليست أرقاماً جافة، إنها حركة وطن يُوسع خريطته في العالم، يفتح أبواباً، ويخلق أسواقاً، ويعيد رسم موازين القوة الاقتصادية في المنطقة.
وما يثير الدهشة ليس الأرقام وحدها، بل الطريقة التي تحوّل بها هذه الأرقام الوطن من مساحة على الخريطة إلى قوة محسوسة في كل زاوية من العالم. فالإمارات لا تُقاس فقط بما تنتجه أو تصدّره، بل بما تفعله تلك الإنتاجية من أثر في حياة الناس، في الأسواق، في العلاقات الدولية، وفي كل خطوة للابتكار والمعرفة. كل مشروع صناعي، كل شركة جديدة، كل استثمار أجنبي، وكل مبادرة تنموية خارجية ليست مجرد حدث اقتصادي... إنها نبض يضيف إلى جسد الوطن حياة ومعنى، ويزرع حضوره في الوعي العالمي.
بلاد تصدر أكثر من 200 ألف رخصة اقتصادية في عام واحد، وتضم 1.1 مليون شركة تعمل فوق أرضها، لا يمكن اختزالها في حكاية رفاه فقط، إنها حكاية نظام اقتصادي مُحكم، وتشريعات تحدّث بنسبة 80% لتبني بيئة أعمال لا تشبه إلا نفسها. ولهذا تدفقت الاستثمارات الأجنبية بما يتجاوز 30 مليار دولار، لأن العالم يعرف جيداً أين يضع ثقته.
وهناك، خارج حدود الوطن، تُرفرف الإمارات بثوب آخر: ثوب العطاء. أن تكون من أكبر ثلاثة متبرعين إنسانيين في العالم ليس ترفاً، بل قرار أخلاقي يليق بدولة ترى الإنسانية امتداداً لحدودها. مساعدات تنموية قفزت بنسبة 193%، أغلبها منح وعمارة وبناء... كأن الإمارات تقول إن ازدهارها لا يكتمل إلا حين يصل أثره لغيرها.
كل ذلك يحدث تحت رؤية واضحة: «نحن الإمارات 2031»، مشروع دولة تعرف إلى أين تريد أن تصل، وتعرف بأي سرعة، وبأي نوع من الطموح.
وهكذا... حين نحتفل باليوم الوطني، نحن لا نحتفل بعام مرّ فقط، بل بطريقتنا في عبوره. نحتفل بوطن يضع خطواته على الأرض بثقة، ويرفع اسمه في العالم بلا ضجيج، وطن لم يعد يتباهى بما كان... بل بما يصنعه الآن.
هذا الوطن الذي نراه في روما ولندن وجنيف، في لوحات السيارات ومقاهي القهوة وشركات الطيران، هو ذاته الذي يكتب اليوم، وبأرقام لا تكذب، فصلاً جديداً من قصة بدأت بحلم بابا زايد وعانقت حدودها المريخ.
فمن الصناعة إلى التجارة، من الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي، من «ايدج» إلى «بريدج»... كل خطوة يخطوها الوطن ليست مجرد تقدم تقني أو اقتصادي، بل نبض حياة، وإشعال للخيال، ورسم لأفق لم يره أحد من قبل. الإمارات لا تنتظر المستقبل، بل تصنعه، ولا ترضى بأن نقف عند حدود الممكن، بل تدعونا لنكون نحن أيضاً على قدر العزم، على قدر الحلم، على قدر المسؤولية التي ورّثنا إياها الوطن.
وهكذا، كل يوم وطني يرفع صوته في قلوبنا: كُن على قدر الحلم، دع بصمتك ترتقي كما ارتقى الوطن، وانمُ معه كشمس لا تعرف الغروب، كل يوم، بلا توقف، بلا استكانة، بلا حدود.