محمد سعيد القبيسي
كنت مع أحد الأصدقاء ذات يوم، نجلس في أحد المطاعم، وكان يحدثني بنبرة متعبة عن مشاكله مع زوجته، قال إن بينهما فراغاً صغيراً يتسع مع الوقت، وإن شيئاً في البيت لم يعد متناغماً كما كان. كان يتحدث وكأن الصوت الذي بينهما لم يعد واضحاً، وكأن العلاقة تسير بإيقاع غير مفهوم. وبينما يتكلم، كان خلفنا عازف بيانو يعزف مقطوعة من الموسيقى، لا أعرف كيف خطرت في بالي الفكرة، لكنني التفت إليه وقلت انظر إلى هذا العازف، كيف تتحرك يداه في اتجاهين مختلفين، ومع ذلك تخرج موسيقى واحدة متناسقة، ولو عزفت كل يد وحدها لتحول الجمال إلى فوضى، وحتى اليدان قد تخطئ إحداهما في لحن معين، وقد تسبق الأخرى أو تتأخر عنها لحظة، ولكن سرعان ما يعود اللحن كما هو في تناغم هادئ، كأن الخطأ لم يكن إلا جزءاً من الرحلة، لأن المقصود ليس الكمال، بل استمرار العزف معاً بالطريقة الصحيحة، فالموسيقى تشبه العلاقات تصاب أحياناً بارتباك عابر.
الزواج سيمفونية طويلة لا تؤدى مرة واحدة، بل تراجع كل يوم بالرفق والصدق وتوزيع الأدوار، وبقلب يختار الإصغاء قبل الحكم. قلت لصديقي المشكلة ليست في اختلافكما، بل في رغبة كل طرف أن يكون اللحن الوحيد، التناغم لا يعني التطابق، بل يعني اختلافاً واعياً يثري النغمة، ما يحتاج اليه الزواج هو أن يعرف كل طرف متى يتقدم ومتى يترك المساحة للآخر، وأن تبقى كلمة لينة على جملة قاسية، واستراحة قصيرة على انسحاب طويل، فالحب لا يقاس بمن يربح الجدال، بل بمن يحافظ على الإيقاع مهما تبدلت النوتات، ومن يأنس بتراجع بسيط ليرتفع صوت «نحن» فوق ضجيج «أنا».
كثير من البيوت لا تخفت لأنها بلا حب، بل لأنها بلا إصغاء، إذ يعلو صوت الأنا فتبهت المشاركة ويتحول الكلام إلى ضوضاء تفقد معناها، ويضعف حضور تلك الروح المشتركة التي كانت تجمعهما يوماً.
قبل أن تلوم الطرف الآخر، اسأل نفسك هل ما زلت متناغماً معه؟ هل تمد يدك لتعيد الإيقاع، أم تنتظر العثرة لتثبت أنك على حق؟ الانهيار لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بانفصال صامت بين نغمتين كانتا متقاربتين، ومع ذلك، ما دام في القلب استعداد للإصغاء، وفي النية رغبة صادقة للعودة، فإن اللحن قادر على النهوض من جديد، وربما أجمل، لأن الوعي يجعل الاختلاف جزءاً من جمال السيمفونية، لا سبباً لانكسارها، ولأن العلاقة التي تعرف كيف تعود، أقوى من علاقة لم تختبر السقوط أصلاً.