رائد الخضر *

مع دخول ديسمبر، يخيّل للبعض أن الأسواق المالية تتجه نحو السكون، وأن عام التداول يقترب من نهايته من دون أحداث تُذكر. لكن الواقع التاريخي يقدّم صورة مختلفة تماماً. فهذا الشهر، على الرغم من انخفاض السيولة فيه، يمثل واحداً من أكثر الأشهر حساسية وحيوية في الأسواق العالمية، ويكشف عن فرص لا تظهر طوال العام إلا في نهايته.
وتبدأ ملامح ديسمبر عادة بانخفاض السيولة في معظم الأصول، نتيجة قيام الصناديق والمؤسسات المالية بإغلاق مراكزها واستكمال إجراءات التدقيق السنوي. هذا الانخفاض يجعل حركة الأسواق أكثر حدة، حيث يصبح أي أمر تداول بسيط قادراً على دفع الأسعار فوق مستويات الاختراق أو من دون مستويات الدعم بسهولة. ولهذا السبب، تبدو التحركات الفنية خلال ديسمبر أقل دقة، ويتحول السوق إلى بيئة تحتاج إلى خبرة إضافية في قراءة الإشارات العميقة وليس الاكتفاء بالمؤشرات السطحية.
إحدى الظواهر البارزة أيضاً هي عمليات إعادة توازن المحافظ أو ما يُعرف ب«Window Dressing». فمع نهاية العام، تتجه المؤسسات لإظهار محافظها بأفضل صورة ممكنة، ما يدفعها إلى التخلص من الأصول المتعثرة وتعزيز مراكزها في الأصول القوية. هذا السلوك المؤسسي يخلق حركات قصيرة المدى لا تعكس بالضرورة اتجاهات اقتصادية أو مالية حقيقية، بل ترتبط باعتبارات محاسبية وجمالية في تقارير نهاية السنة.
في هذه البيئة المتغيرة، يبرز الذهب كأحد الأصول التي تلفت الأنظار. فالأسابيع الأخيرة من العام تكون عادة مملوءة بتوقعات تغير في الفائدة الأمريكية والتوقعات هذا العام تصب في صالح التخفيض، الأمر الذي يضغط على العوائد الحقيقية ويزيد جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً. ومع استمرار البنوك المركزية في الشراء بوتيرة قوية، يكتسب الذهب دعماً إضافياً، على الرغم من احتمالات التصحيح السريع بين حين وآخر.
وكلما اقتربت الأسواق من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، احتدم النقاش حول الاتجاه المتوقع للذهب، واستمرار صعوده مرتبطاً مباشرة بتراجع الدولار والعوائد.
أما النفط، فيدخل ديسمبر عادة وسط حالة من الترقب. فعوامل الطلب الشتوي، وقرارات «أوبك+»، وإعادة التموضع لدى صناديق الطاقة تخلق خليطاً من التوقعات. وقد تبدو الأسعار مستقرة على السطح، لكنها في الواقع شديدة الحساسية لأي إعلان يخص الإنتاج أو المخزونات أو حتى تحركات جيوسياسية مفاجئة. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح النفط أكثر ارتباطاً بسياسات العرض المعلنة من «أوبك+»، وهي سياسات تميل أحياناً إلى مفاجأة الأسواق في لحظات غير متوقعة.
ولا يمكن الحديث عن ديسمبر من دون الإشارة إلى الدولار الأمريكي، اللاعب الأكثر تأثيراً في حركة معظم الأصول. فالتدفقات المالية نهاية العام، وعمليات إغلاق المراكز، وتوقعات التضخم، وخطابات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، جميعها تصنع بيئة سريعة التغير في سوق العملات. أي تراجع في الدولار ينعكس فوراً في الذهب والسلع والأسهم العالمية، والعكس صحيح.
ولذلك، فإن المتداول المحترف ينظر إلى ديسمبر لا باعتباره شهراً للبحث عن أرباح ضخمة، بل شهراً لإدارة المخاطر بذكاء في نهاية المطاف، يظل ديسمبر شهراً يجمع بين الهدوء الظاهري والحركة الخفية.
* كبير استراتيجيي الأسواق في مجموعة «اكويتي»