وليد عثمان
ربما تكون دول العالم الثالث أكثر الأرجاء معاناة من الشائعات التي لا تستثني مجالاً، ولا شك أن هذه المعاناة تفاقمت بعد ازدياد سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، بما وفرته من قدرة لكل الأشخاص على بث بيانات ومعلومات يختلط فيها الصحيح بالخاطئ والملتبس والمضلل.
وبعض هذا الخطأ والالتباس والتضليل عفوي ينطلق من عدم وعي بخطورة الشائعات ومدى مساسها باستقرار المجتمعات وأمنها القومي. وهذا الجانب العفوي يمكن بمزيد من التوعية مجابهته وحصره في أضيق نطاق، فمن الصعب التصدي له كلياً وسط هذا العدد اللامتناهي من الحسابات على وسائل التواصل، وتدفق ما تنشره على مدار الساعة من داخل المجتمع وخارجه.
الأخطر في هذه الشائعات هو ما يبث قصداً، سواء باصطناع معلومات مغرضة كلياً، أو خلط جزء صحيح بأكاذيب موجهة تستهدف الإساءة إلى أشخاص، أو كيانات اجتماعية أو دول أو مجموعة دول يجمعها موقف واحد تجاه قضية واحدة.
وأمثلة ذلك أكثر من أن تُحصى، ولم تبرأ دولة عربية في السنوات الماضية من شائعات تستهدف خلخلة بناها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتشويه مواقفها تجاه أمر ما. ولا شك أن مواجهة هذه الشائعات، خاصة حين تكون على قدر عالٍ من الخطورة الآنيّة، تتطلب جهداً كبيراً، خاصة أن أثرها يبقى لدى البعض مهما تعرض لرسائل تفنيد وتصحيح ونفي، وتراه في كل وقت بعد ذلك يحاجج غيره بالمعلومات الخاطئة التي لا يريد أن تغادر قناعاته.
وجهد مواجهة الشائعات لا ينجح بنسبة كبيرة إلا إذا انبنى على إيمان بقيمة إتاحة المعلومات، وهو حق إنساني يساوي، في الأدبيات السياسية والاجتماعية، غيره من الحقوق المرتبطة بالحياة، غير أن دولاً عربية وأخرى من العالم الثالث لا تزال تتجاهله أو تعتبره ترفاً وتتجاهل الدعوات إلى عدم الضنّ بالبيانات والمعلومات المتعلقة بالأداء الحكومي، على الأقل لوسائل الإعلام، وهي، لاسيما التقليدية منها، الأولى بالوصول إليها وجبهة صد ضد الشائعات.
هناك نماذج نادرة في المنطقة العربية لدول تجابه سيل الشائعات والمعلومات المضللة المغرضة بشكل آنيّ وبقدر من الصراحة والشجاعة يستغربه البعض ممن ألفوا التجاهل الرسمي، لكنه لازم حين يتعلق الأمر بسمعة الدول وأمنها بكل مستوياته.
النموذج الرسمي الشائع هو القائم على التمسك بالنهج القديم الذي يتصور أن الصمت عن الشائعات يقتلها، غير مدرك أن حياتها تتجدد في ملايين الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتخذ كل فترة أشكالاً متعددة حسب الغرض منها أو تستدعى حين الحاجة إلى الهجوم على هذا البلد أو ذاك. والأسوأ أن تتغاضى حكومات عن الحديث عن الحق في المعلومات وإمكانية تنظيمه قانونياً، وتنحى إلى مطاردة من يبثون الشائعات، أو من تعتبرهم الأجهزة المختصة كذلك، بإجراءات قد تصلح لوقت لكنها لا تؤسس لشيء.
الجهد الحقيقي يجب أن يتوجه إلى تنظيم سريان المعلومات من مصادرها، لا الاكتفاء بمطاردة الشائعات.