ما زلت إلى الآن أتذكر قصة التحقيق الصحفي الذي نشرته جريدتنا «الخليج»، قبل نحو 13 عاماً، والذي علّقت عليه آنذاك، بالقول إنه من حق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أن يلجؤوا إلى شكل من أشكال التهريب، عندما يتعلق الأمر بالإنجاب وتخصيب الحياة بسلالة من الأطفال يولدون كالمعجزة، فالرواية الفلسطينية لا يكتبها مؤلفو التراجيديات المشتقة من الموت والحياة معاً، بل للأسرى والشهداء والمعتقلين رواياتهم أيضاً، التي تتفوق على المخيلة الأدبية وتصبح في موضع أعلى كثيراً من الأسطورة.
فقد لجأ أسير فلسطيني في سجن إسرائيلي إلى تهريب نطف منوية منه إلى زوجته التي تعيش في إحدى قرى الضفة الغربية لتقوم بعملية تلقيح صناعي وتحظى بالأمومة التي حرمت منها سنوات طويلة.
وذكر التحقيق أن السيدة الفلسطينية حصلت بالفعل على نطفة زوجها بمساعدة حماتها، وجرى حفظ النطفة المنوية في مكان آمن (ويمكن الحفاظ عليها لمدة تتراوح من ثلاث إلى أربع سنوات) ويعمد الأطباء المختصون في هذه الحال إلى تجميد العينات المنوية.
أرقام التحقيق مر عليها سنوات طِوال، واليوم يعيد التاريخ نفسه كمان يقولون وآنذاك كان هناك 10 آلاف أسير في سجون الاحتلال يرفض غالبيتهم قبول فكرة الخلوة الزوجية مع نسائهم في أثناء الأسر، تخوفاً من إقدام إدارة السجون على استغلال ذلك لابتزاز الأسرى وإهانتهم وإهانة زوجاتهم.
ولكن الزوجة لم تقم بعملية التخصيب الصناعي رغم تشريعها من جانب رجال الدين وقبولها اجتماعياً من طرف أهل الزوج والزوجة التي يقول التحقيق إنها مثقفة.
وتحمل هذه الحادثة الأولى من نوعها في تاريخ القضية الفلسطينية مستوياتٍ رمزيةً عدة لمن يريد الذهاب إلى القراءة الباطنية لهذه الواقعة الإنسانية بامتياز، فالفلسطيني محروم حتى من الإنجاب، لأنه أسير أو معتقل أو محاصر أو مهدد بالإجهاض، ومع ذلك بوسعه أن يهرب الحياة من السجن إلى فضاء الحرية ولو على شكل قطرة ماء.
وفي أماكن أخرى من العالم ينشغل رجال البوليس بمتابعة ومراقبة مهربي المخدرات والسلاح والأموال القذرة التي تحتاج إلى غسيل لا يكفيه كل أنواع المنظفات لكي يكون نظيفاً، أما هناك في فلسطين، فالتهريب ينطوي على معنى أخلاقي وإنساني، ومع ذلك فرأس الحيوان المنوي الفلسطيني أخطر من الرأس النووي بالمفهوم الإسرائيلي الذي يحرم آلافَ الأسرى حقَّهم في الحياة.
وبعد، أليست هذه فكرة شعرية في الأساس؟ ولكن أين هو ذلك الشاعر الذي كانت مخيلته في مثل مخيلة ذلك الأسير الذي كتب قصيدة واحدة واستراح؟