محمد إسماعيل زاهر
هل يمكن أن تستوعب أداة بصرية فكرة مراجعات الكتب؟ وما هي الشروط الواجب توافرها في من يقوم بتلك المهمة؟ وما هو الفارق بين مراجعة الكتاب ونقده؟ وهل تلك المراجعة متاحة لأي قارئ مهما كان؟... أسئلة كثيرة علينا أن نطرحها للنقاش ونحن نتأمل مسألة تلك الفيديوهات والمقاطع المصورة التي باتت تحتل حيزاً ملحوظاً في مواقع التواصل الاجتماعي وتتخصص في مراجعة الكتب، والأهم أن نسأل هل تمثل تلك المقاطع إضافة ثقافية أم أنها ليست أكثر من تلبية الطلب في تلك المواقع؟ طلب على كل شيء، فتلك المواقع أصبحت أشبه ب«جراب الحاوي» لابد أن تعثر فيها على ما تريده وتسعى إليه أو تحلم به.
هل المادة المقروءة ذات البناء الفكري والإبداعي التسلسلي الخاص بحرفة الكتابة بالإمكان تلخيصها في ثوان أو دقائق معدودة؟ أم أن المسألة لا تعدو التشويه المخل بمضمون ومحتوى الكتاب؟ في الماضي كانت هناك «فنون» خاصة بنقل الكتب إلى شكل جديد، «فن» نقل الروايات إلى أفلام ومسلسلات مرئية للسينما أو مسموعة للإذاعة، و«فن» تحويل الكتاب إلى فيلم وثائقي يتناول أفكاره وظروف إصداره ومؤلفه، أما ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي فليس أكثر من «عبث»، لا علاقة له بالفن، من قبل فئة جديدة لم تُدرس بعناية حتى الآن، فئة يرى البعض أنها وريثة المثقف، ولكن المؤثر لم يستطع حتى الآن أن يقدم أية إضافة نوعية تجعله يستحق هذا الإرث.
كثير من هذه المقاطع المصورة تتعلق بكتب تطوير الذات وكيف تصبح ثرياً وكيف تتغلب على الاكتئاب، أو روايات اليافعين والمراهقين أو روايات الرعب، أي أنها ترتبط بصورة أو أخرى بالكتب الرائجة والشائعة، والكثير منها أيضاً يعرض الكتب التي تتعلق بنظرية المؤامرة، وهي نظرية رائجة في وسط تلك المواقع، وهو وسط شعبوي بالمناسبة، أي أن الشعبوية مفتاح لتفسير كثير من ظواهره، بعض هذه المقاطع يحلم أصحابها ب«الترند» أي تحقيق الشهرة والثراء من وراء ما يقومون به، وبعض هذه المواقع يتسم بسطحية وسخافة لا حدود لها.
وعندما تشاهد تلك المواقع تسأل نفسك، هل يجوز لأي قارئ إبداء رأيه في أي كتاب؟ ولكن هذا القارئ أو صانع المحتوى لا يقول لك إنه ناقد، ويؤكد أن هذا مجرد انطباعه ونتاج تذوقه لما قرأ، وهنا يطرح السؤال نفسه هل حرية التعبير متاحة للجميع بغض النظر عن امتلاك الأدوات التي تؤهل الإنسان للإفصاح عن وجهة نظره؟ وهو سؤال لم نطرحه على أنفسنا جيداً، ولا يتعلق بمسألة عروض الكتب وحسب، ولكنه يتعلق بفضاء الإنترنت عموماً ومواقع التواصل على وجه الخصوص.
إن الإجابة عن السؤال السابق تشكل أحجية في حد ذاتها، سواء كانت بالإيجاب أو السلب، فإذا قلنا إن حرية التعبير حق إنساني أصيل ومكفول للجميع فعلينا أن نتحمل تبعات ذلك، ونحن نعيشها بالفعل، فالكل يتحدث في ما لا يملك عنه معلومات وفي ما يقع خارج معرفته وتخصصه، ونشعر أحياناً أن تلك المواقع ليست أكثر من «غثاء»، أما إذا ذهبنا إلى رفض تلك الحرية ومناصرة تقييد الرأي والحجر عليه فإننا بذلك نلغي أهم أركان الثقافة والمعرفة والمتمثل في توفير الحريات والدفاع عنها، وربما يرى قائل إن مناصرة الحريات يؤدي مع الوقت إلى الفرز بين الصالح والطالح، والجيد والرديء، والمفيد والضار، ولكن هذا القانون لا يسري على فضاء الشعبوية فنتيجة الفرز دوماً لصالح الأسوأ مع الأسف.
إن مسألة انتشار مراجعة الكتب في مواقع التواصل و«اليوتيوب» لا تتعلق بتراجع النقد أو الصحافة الورقية، ولكنها ترتبط أكثر بعصر ثقافي جديد، تاريخي وفارق، يختلف فيه كل شيء، فرواد تلك المواقع يجب أن يشعروا أن لا شيء ينقصهم، ومن ضمن تلك الأشياء، الثقافة، ولا يهم هنا نوعية أو شكل تلك الثقافة، والخطر داهم على الأجيال الجديدة، أجيال ستعرف أسماء الكتاب العظام، ولكنها رويدا رويدا ستتوقف عن الإبداع، ستعرف أيضاً محتوى الكتب الكلاسيكية وأهم أفكارها، ولكنها ستفتقد متعة التورط في التفاصيل والتجول بالعين قارئة زوايا وأركان الكتب، أجيال لن تكون الثقافة بالنسبة لها إلا مجرد ديكور بعيداً عن الثقافة بمعناها التقليدي، أجيال تحصل على كل شيء وتأخذ من كل حقل ثقافي قبساً، ولكنها ستكون من دون ثقافة وازنة.. هي أجيال بلا رأس.