كمال بالهادي

سنة أخرى تطوي آخر أوراقها، لكن لا شيء جديد في الأفق، رحى الحروب لا تتوقف عن نهش أجساد الأبرياء، وساسة العالم يواصلون التلاعب بالكلمات والتصريحات وأفعالهم تقود إلى حالة إنسانية مزمنة، في حين أنّ قضايا البشرية العميقة لا تجد حلولاً جذرية.
خطر الحروب لا يتمثل في تلك المشاهد المروعة لضحايا أبرياء تم استهدافهم فوقعوا بين قتيل وجريح ومفقود، بل إنّ خطر الحروب يكمن في تأثيراتها الواسعة التي تجعل الملايين من الناس حول العالم لا يعرفون الاستقرار، فيكونون ضحايا يمكن أن يتحولوا نتيجة استغلال أوضاعهم إلى خطر محدق بالاستقرار والأمن العالميين.
في تقرير صدر في شهر يونيو/ حزيران الماضي عن المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد النازحين قسراً حول العالم 122.6 مليون شخص بسبب الاضطهاد والنزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والأحداث التي تُخلّ بالنظام العام بشكل خطير. ومن بينهم 43.7 مليون لاجئ، يتوزعون بين 32 مليوناً تحت ولاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، و6 ملايين لاجئ فلسطيني تحت ولاية الأونروا. كما بلغ عدد النازحين داخلياً 72.1 مليون نازح، و8 ملايين طالب لجوء.
وفي النصف الأول من عام 2024، كان النزوح المستمر من السودان وأوكرانيا هو العامل الرئيسي في ارتفاع عدد اللاجئين. وتوجد اليوم حالات نزوح داخلي جديدة في 16 دولة، وتمثل ستة منها - السودان وميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوكرانيا وهايتي وموزمبيق - 90 في المئة من الأشخاص الذين اضطروا للفرار داخل بلدانهم. المشكلة الأبرز في هذا الواقع الأليم هو أنّ هؤلاء الملايين من النازحين واللاجئين، لا أمل لهم في العودة القريبة إلى مواطنهم الأصلية، بل إن نسبة ضعيفة جداً منهم يمكن أن تنجح في العودة بعد الاستقرار، وهذا ما يجعل هذه الكتل البشرية المتحركة تمثل ضغطاً قوياً على مجتمعات الاستقبال، فضلاً عن أن مؤشر النزاعات والحروب في مناطق الأزمات لا يتراجع بل إنه في تصاعد مستمر، تضاف إليه مناطق أزمات جديدة.
فعلى سبيل المثال فإن التهديد بحرب في منطقة الكارايبي يمكن أن يشكل أساساً قوياً لحالة هجرة ونزوح إن اشتعلت الحرب واستمرت لفترة طويلة. وخلف هذا الواقع المشؤوم بالنسبة لملايين من الناس، تطل أزمة أخرى لا تقل خطورة وهي أزمة الجوع، ففي آخر تقرير صدر في شهر أكتوبر(تشرين الأول)، يعاني أكثر من ثلاثمئة مليون شخص من الجوع، والصدمة الكبرى ما ورد في تقرير المنظمة الأممية للأغذية والزراعة «الفاو»، الذي كشف أن المنطقة العربية تشهد مستويات غير مسبوقة من نقص الغذاء، حيث عانى 198 مليون إنسان من جوع حاد أو متوسط خلال العام الماضي، وهو ما عزاه مسؤول أممي إلى غياب العدالة الاجتماعية وهشاشة النظم الغذائية المحلية.
مثل هذه الأرقام تؤكد أن الحديث عن القيم الإنسانية في محافل السياسة الدولية ليست سوى عمليات ذر للرماد على العيون، لأن مسألة الجوع ليست مرتبطة بنقص الموارد أو غيابها، فالندرة هي مجرد خرافة، بل إن عقلية الأنانية هي التي تجعل الحكومات تفضل إنفاق 2.7 تريليون دولار على الإنفاق العسكري، ولا توجه تلك الموارد الضخمة نحو دعم الاستقرار وترسيخ قيم السلام والتعاون. ففي سنة 2025 عاود نسق سباق التسلح الصعود الصاروخي لتحقق أكبر مائة شركة في قطاع صناعة الأسلحة مبيعات قياسية خلال العام 2024 بلغت قيمتها 679 مليار دولار.
الحقيقة أنّ عالمنا مريض، وأمراضه باتت مزمنة لغياب مفهوم أخلقة السياسة، ولتراجع مبادئ الشرعية الدولية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها في ظل انتشار الكراهية والأنانية والروح المادية الصرفة التي انعكست على السلوكات الفردية والجماعية وغذّت صور التدافع الاجتماعي والاحتراب الأهلي والدولي. وليس في الأفق ما يؤشر إلى أن السنة الجديدة ستكون أفضل من سابقاتها أو على الأقل ستحمل في طياتها تراجعاً نحو عالم أكثر استقراراً.

[email protected]