د. محمد سيف الجابري*
لم يكن صعود الإسلاميين في السودان وليد مرحلة سياسية عابرة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من العنف والاستغلال السياسي للدين. منذ الدولة المهدية وحتى نظام الإنقاذ بقيادة عمر حسن البشير، حيث ارتبط مشروعهم الإسلامي بالعنف الدموي والذكورية القمعية والانقلابات العسكرية التي أطاحت بأحلام السودانيين في بناء دولة مدنية عادلة بل إنها أدت إلى عدم قيام الدولة ذاتها حتى اليوم بكل أسف.
يعود أول تعبير منظّم عن العنف الديني في السودان إلى الدولة المهدية في القرن التاسع عشر، بعد وفاة المهدي الأب المؤسس، تولى خليفته عبدالله التعايشي الحكم، مستخدماً الدين كسلاح سياسي لإقصاء خصومه، مرتكباً إحدى أكثر الجرائم وحشية في تلك الحقبة، حيث كانت مذبحة بيت المال في أم درمان، والتي راح ضحيتها المئات من الأشراف المناوئين للتعايشي. والتي كانت تعبيراً مبكراً عن الذكورية السياسية التي تربط السلطة بالعنف والإخضاع، وتبرر سفك الدماء بتأويلات دينية متشددة.
هذا الإرث الدموي لم يُمحَ، بل انتقل عبر أجيال الإسلاميين الذين حافظوا على ذات العقلية الإقصائية. الذكورية ليست فقط في بنية التنظيمات الإسلاموية، بل أيضاً في خطابها، حيث تُصور القيادة كحق إلهي محصور في رجال الطائفة، وتُقصى النساء والمخالفين باسم الشريعة.
رغم مشاركتهم المتأخرة نسبياً في العمل السياسي، فهم الإسلاميون منذ وقت مبكر أن السيطرة على السلطة لا تتحقق عبر صناديق الاقتراع، بل من خلال التحالف مع المؤسسة العسكرية. وقد تحقق ذلك فعلياً عام 1989، حين دبّر تنظيم «الجبهة الإسلامية القومية» التي يقودها حسن الترابي انقلاباً عسكرياً بقيادة العميد عمر البشير، أطاح بالحكومة المدنية الديمقراطية المنتخبة.
مثّل انقلاب «الإنقاذ» بداية مرحلة جديدة من العنف المؤسسي، حيث تمت عسكرة الدولة، وتحوّلت الأجهزة الأمنية إلى أدوات قمع، بينما تم «تمكين» الإسلاميين في مؤسسات الدولة، عبر التطهير الوظيفي، والتجويع السياسي، والتكفير الديني للمعارضين.
الربط بين الدولة المهدية وتنظيم «الكيزان» (كما يُلقب الإسلاميون في السودان) ليس مجرد تكرار للتاريخ، بل استمرار للنهج. ففي كلا التجربتين، كان الدين يُستخدم لتبرير العنف، لا لضبطه. الفرق أن المهدية اعتمدت السيف والخطاب الشعبي، بينما اعتمد «الكيزان» على الدولة العميقة، الإعلام، والتمويل الأجنبي.
في عهد البشير، أصبحت الانتهاكات بحق السودانيين سياسة دولة، بدءاً من قمع التظاهرات، ومروراً بالاعتقالات التعسفية، وصولاً إلى مجازر الجامعات، حيث استُهدف الطلاب المعارضون بوحشية. كما سُيس القضاء، واستُبيحت حُرمة البيوت، وانتهكت كرامة النساء تحت غطاء ما سُمي «الشرطة المجتمعية».
لكن يبقى الحدث الأكثر دموية هو ما جرى في إقليم دارفور مطلع الألفية. فبعد اندلاع التمرّد المسلح ضد التهميش، واجهت الحكومة السكان بحملة تطهير عرقي مروعة. استُخدمت فيها طائرات «أنتونوف»، وميليشيات الجنجويد، وحملات اغتصاب جماعي، في مشهد وصفته المحكمة الجنائية الدولية ب*الإبادة الجماعية*.
قُتل ما يربو على 300 ألف شخص، وهُجّر أكثر من مليوني مواطن، في أكبر مأساة إنسانية شهدها السودان الحديث. ولم يكن ذلك نتيجة حرب فقط، بل سياسة متعمدة لتفكيك النسيج الاجتماعي، وإخضاع الإقليم عبر الرعب.
والمفارقة أن هذه الجرائم نُفذت بشعارات الجهاد و«الدفاع عن الدولة الإسلامية»، في تكرار مأساوي للذهنية ذاتها التي حكمت منذ التعايشي.
ختاماً.. تاريخ الإسلاميين في السودان ليس تاريخ دعوة أو إصلاح، بل تاريخ دموي قائم على القمع والانقلابات وتبرير القتل باسم الدين. من مذبحة بيت المال إلى محرقة دارفور، تتكرر حلقات العنف المغلّف بشعارات التقوى، بينما يدفع الشعب السوداني وحده الثمن..
.. لقد آن الأوان لقراءة هذا التاريخ بعيون ناقدة، لا لتجريمه فقط، بل لمنع تكراره.
*خبير متخصص في الشؤون الإفريقية