سبقتنا أستراليا إلى تحقيق حلم كل أم وأب يعانون التأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي على أبنائهم، ولم تهتم لكل الأصوات التي تعالت معترضة على هذا القرار «المجحف بحق الأطفال» كما يقول مناصرو «حرية التعبير» وأصحاب شركات التكنولوجيا.
تجرأت أستراليا ووقفت في وجه رياح التكنولوجيا التي عصفت بالعالم دون أن تضع حدوداً ولا وسائل حماية لمنع كل ضرر وخلل قد تسببه للأطفال والمراهقين، ونحن هنا لا نتحدث عن التكنولوجيا التي أسهمت في تطوير العمليات الجراحية وفي التعمق في الأبحاث وتطوير وسائل التعليم وتسهيل التواصل بين البشر، بل ما نجم عن تكاثر صفحات التواصل الاجتماعي من استغلال سيّئ بهدف التسلل إلى عقول الأطفال وتهديدهم وابتزازهم وجرفهم نحو مخاطر أخلاقية تدخلهم في أزمات نفسية، وتعريضهم للتنمّر وللإدمان وللتواصل مع أغراب يستغلون براءتهم، بجانب طبعاً دخولهم في دوامة إدمان التعود على تصفح وسائل التواصل خصوصاً تيك توك ويوتيوب وتقليد الآخرين والانشغال عن الدراسة والتركيز في الأمور البسيطة والتواصل المباشر لا الافتراضي مع أسرهم ومحيطهم، وإدمان العزلة، وفقدان الحوار، والاستعجال في إنهاء الواجبات المدرسية أو إهمالها للتفرغ لتصفح الإنترنت..
لم تكتفِ أستراليا بالتهديد بل بدأت فعلياً في تطبيق حظر مواقع التواصل الاجتماعي على من هم دون سن 16 عاماً، بما فيها تيك توك وإنستغرام وفيسبوك ويوتيوب، لتكون أول دولة في العالم تقف في مواجهة الشركات والمنصات الكبرى وتهديدها بفرض غرامة تصل إلى 33 مليون دولار أمريكي إذا سمحت بأي شكل للأطفال بالدخول عليها، وقد نشرت أول من أمس تفاصيل حول هذا القرار لتؤكد أنها مدركة جيداً أن الأطفال سيدخلون في فترة «الانسحاب» التدريجي من إدمان التكنولوجيا، وهو أمر طبيعي إلى أن يتمكنوا من العودة إلى الحياة الطبيعية الخالية من تأثير ومخاطر التواصل الافتراضي.
هو إدمان حقيقي، والقرار ليس سهلاً خصوصاً في وقت صارت التكنولوجيا فيه جزءاً من التعليم ومن وسائل الاتصال ومن العمل ورفيقة الإنسان أينما كان، ووفق الحكومة الأسترالية، كان 86٪ من أبنائها الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً يستخدمون تلك المواقع، ما يعني أن القرار يحدث خللاً وإرباكاً، لكن نتمنى أن تنجح التجربة وأن تنتشر في العالم حماية للأطفال وللمراهقين، ورغبة في استرجاع البراءة والبساطة التي يفتقدها أطفال اليوم، واسترجاع نمط الحياة الطبيعي والتواصل الحقيقي بين الناس وخصوصاً بين الآباء وأطفالهم، واللعب الحي والحيوي لا الافتراضي، والأهم توفير الأمن والحماية للأطفال طالما أن الشركات والمنصات عاجزة عن تحقيقه فعلياً.