د. محمد السعيد إدريس

قبيل ساعات قليلة من إعلان الولايات المتحدة استراتيجيتها الأمنية الجديدة بما تحمله من مؤشرات مهمة لمراجعة استراتيجيتها فى منطقة «الإندوباسيفيك»، كان الرئيس الروسى فلاديمير بوتين يهبط بطائرته في «قاعدة بالام» الجوية فى العاصمة الهندية نيودلهي في زيارة رسمية للهند، جرى التوقيع خلالها على اتفاقيات اقتصادية متنوعة وأخرى عسكرية ونووية شديدة الأهمية، كشفت عن معنيين عميقي المغزى بالنسبة لروسيا ومصالحها في الهند ومنطقة المحيطين الهندي- الهادي.
المعنى الأول، يؤكد أن الهند باتت تلزم نفسها فى علاقاتها وشراكاتها الدولية بمبدأ «رفض الوصاية»، الذي تؤكد من خلاله أنها لا تتبع أجندة القطب الواحد (الولايات المتحدة)، بل تعمل من أجل تحقيق مصالحها عبر شراكات ومنصات أخرى مثل «منظمة شنغهاى للتعاون» ومنظمة «بريكس» التى ستتولى الهند رئاستها فى دورتها المقبلة، وسيكون ذلك دافعاً إضافياً للهند كي تعمق من علاقاتها وشراكاتها مع القوى الدولية الكبرى الشريكة في هاتين المنظمتين وبالتحديد الصين وروسيا، بما يعنيه ذلك، حتماً، من خصم من حصة تحالفها مع الولايات المتحدة وعلى الأخص «التحالف الرباعى كواد» الذى يضم الولايات المتحدة والهند مع كل من اليابان واستراليا وهدفه الأساسى احتواء ومواجهة التمدد والنفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادى.
المعنى الثاني، أن الهند ماضية فى تحقيق «استقلالها الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، عبر تعزيزها لشراكة جيوسياسية مهمة مع روسيا، ما يعني تقليل نفوذ واشنطن في صياغة القواعد الدولية. فقد كشفت مخرجات هذه»القمة الروسية- الهندية«، خاصة التوقيع على برنامج التعاون الاقتصادى حتى عام 2030، عن انفكاك الهند من القيود الأمريكية التي أجبرتها على الخضوع للإملاءات والضغوط الأمريكية.
فقد عكست نتائج القمة الروسية- الهندية إصرار موسكو ونيودلهي على إطلاق مرحلة جديدة من العلاقات لتعزيز التعاون في كل المجالات، بما في ذلك قطاعي النفط والدفاع، وفي المجالات النووية والتقنية، ورسمت ملامح «خريطة طريق» لتوسيع الشراكة بين البلدين خلال السنوات المقبلة.
ووفقاً للبيان المشترك، فقد ناقش الطرفان وأشادا عالياً بالتعاون الواسع النطاق في مجال الطاقة، الذي يعد صدمة وتحدياً للولايات المتحدة، بوصفه عنصراً أساسياً في الشراكة الاستراتيجية الخاصة والمتميزة بينهما.
كما اتفق الطرفان على تعميق التعاون في مجال الطاقة النووية، بما في ذلك دورة الوقود النووي، والتعاون في إنشاء ممرات نقل مستقرة وفعالة، فضلاً عن تأكيدهما على تكثيف التعاون التجاري والاستثماري في منطقة الشرق الأقصى الروسي والمنطقة القطبية الشمالية للإتحاد الروسي.
الرئيس الروسي لم يخف سعادته بما تم الاتفاق عليه مع رئيس وزراء الهند في تلك المجالات الاقتصادية والإنتاجية والعسكرية، فضلاً عن إشادة الطرفين بالدور المتنامى لمنظمة «شنغهاى للتعاون» في تشكيل النظام العالمي الجديد، لذلك كان بوتين صريحاً ومتحمساً في تأكيد دعم روسيا ترشيح الهند للعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي الموسع، كما أنه كان حريصاً على توجيه رسالة تحدى واضحة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وللسياسة الأمريكية العدوانية ضد الهند، بسبب شرائِها للنفط الروسي بحجة أن ذلك يزيد من قدرات روسيا للمضي في حربها ضد أوكرانيا، الأمر الذي دفع ترامب إلى معاقبة الهند بفرض رسوم جمركية بلغت 50% على صادراتها للولايات المتحدة. فقد أعلن بوتين أن روسيا سوف تظل مورداً للطاقة لنيودلهي ومؤكداً أن « الأسعار التفضيلية التي تمنحها روسيا للهند سوف تظل قائمة». مشيراً إلى أن حجم التجارة الروسية- الهندية الذي يبلغ الآن 64 مليار دولار سوف يرتفع، وفقاً لخريطة الطريق الجديدة، إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030.
الصدمة التي تلقتها واشنطن وهي تعلن استراتيجيتها الأمنية الجديدة لم تكن روسية – هندية فحسب، لكنها اتسعت لتشمل صدمة أخرى صينية- فرنسية، وثالثة سعودية- روسية. فقبل يوم واحد من زيارة الرئيس الروسي للهند كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يزور الصين (الأربعاء 3 ديسمبر/ كانون أول الجارى)، وكانت المملكة العربية السعودية تستضيف في عاصمتها الرياض (الاثنين أول ديسمبر الجارى) فعاليات منتدى الاستثمار والأعمال السعودي التى كشفت عن «حوار استراتيجي رفيع المستوى» يمكن اعتباره نقلة مهمة داعمة للشراكة الثنائية الروسية - السعودية تتجاوز حدود التنسيق النفطي، ليشمل قطاعات حيوية مثل التعدين والصناعة والزراعة والتقنيات الحديثة، ما يعكس تكامل القدرات الاقتصادية.
كيف ستتعامل الولايات المتحدة وهي ترى شركاءها ينهجون سياسات تقارب وتعاون مع كل من روسيا والصين، فى وقت تقول فيه «الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة» أن أولوية التوجه الأمريكي أضحت نحو أمريكا اللاتينية، في تحول جذري عن دعوتها تاريخياً للتركيز على آسيا في مواجهة صعود الصين، والقضاء على «الخطر الروسي» الذي يتهدد أوروبا.
هل ستتراجع واشنطن عن استراتيجيتها الجديدة قبل أن تشرع في تنفيذها، أم ستجد نفسها مضطرة للقبول بخسارة الحلفاء، ومع خسارة دورها كقوة عظمى تريد أن تكون أحادية في النظام العالمي؟، هذا هو التحدي الأهم الذي يواجه واشنطن ورئيسها الآن.

[email protected]