لم يعد الحديث عن الحرب في أوروبا ضرباً من المبالغة السياسية أو التهويل الإعلامي. فالتطورات الجيوسياسية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة دفعت العديد من العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في تصوراتها الأساسية عن الأمن، بعد أن كانت القارة، طوال ثلاثة عقود بعد الحرب الباردة، تؤمن بأن فضاءها الداخلي محميٌّ بهيكليةٍ سياسية واقتصادية تمنع عودة الصراعات الكبرى، لكن سلسلة التصريحات الصادرة عن قادة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تشير بوضوح إلى نهاية هذا الافتراض، وقد ذهب الأمين العام للناتو، مارك روته، إلى حد القول إن «أوروبا ستكون الهدف التالي»، إذا لم تتخذ إجراءات دفاعية عاجلة، محذراً من أن أي حرب قادمة «ستطال كل منزل ومكان عمل».
لا يمكن اعتبار هذا التحوّل في الخطاب مجرد رد فعل على تهديدات عسكرية مباشرة، وإنما تنبغي قراءته في سياق أعمق، فحروب اليوم تخاض في مستويات متعددة، لا تقتصر فقط على المواجهات العسكرية، لكنها تتضمن الهجمات السيبرانية، واختراق شبكات الطاقة والاتصالات، والتدخل المنهجي في العمليات الانتخابية، واستهداف ذاكرة المجتمعات عبر حملات تضليل مُنظمة، وهو ما عبّرت عنه رئيسة وزراء الدنمارك بقولها إن أوروبا تواجه «حرباً هجينة فعلية»، ما يجعل خطوط المواجهة أقل وضوحاً من أي وقت مضى، وأكثر ترابطاً من أن تُختزل في خرائط جغرافية.
لقد أعادت الهجمات السيبرانية الكبرى التي طالت مؤسسات في ألمانيا وفرنسا ودول البلطيق منذ 2023 طرح سؤال القدرة الدفاعية الأوروبية، حيث أظهرت تقارير متعددة من المؤسسات الأوروبية، أن معظم الدول لم تنجح بعد في بناء منظومات حماية سيبرانية متكاملة قادرة على امتصاص هجوم واسع النطاق أو الاستمرار في العمل تحت ضغط هجمات مطوّلة، وتكشف هذه التطورات عن إدراك واسع في دوائر صنع القرار الأوروبي بأن هذه الهجمات تمثل تهديداً شبه عسكري للبنى التحتية الحيوية، وأن التعامل معها يتطلب رسم «خطوط حمراء» واضحة لمنع أي تصعيد محتمل.
من منظور استراتيجي أوسع، يبدو أن التهديد الأكبر الذي تواجهه أوروبا اليوم ليس احتمال اندلاع حرب تقليدية واسعة بقدر ما هو خطر تآكل تماسك الاتحاد الأوروبي من الداخل، فقد أدت الحرب الهجينة إلى تفعيل خطوط التوتر بين الدول الأعضاء، سواء في ما يتعلق بميزانيات الدفاع، أو سياسات الطاقة، أو العلاقة مع الولايات المتحدة، وبالتالي، فإن أوروبا اليوم تواجه أزمة انقسام سياسي حول سبل وأدوات مواجهة هذه الحرب الهجينة، خصوصاً أن لكل دولة أوروبية حسابات قومية داخلية، وتقييماً للموارد والممكنات، جرّاء التفاوت الموجود بين اقتصادات هذه الدول وقدراتها العسكرية والمؤسساتية.
وقد أسهمت الأزمات المتلاحقة خلال العقد الأخير في تسريع التحوّل الذهني داخل المجتمعات الأوروبية، إذ بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام تتقبل فكرة أن الرفاهية والاستقرار اللذين طبعا الحياة الأوروبية منذ التسعينات من القرن الماضي لم يعودا مضمونين، فاستطلاعات الرأي في ألمانيا وفرنسا وبولندا تشير إلى ارتفاع غير مسبوق في نسبة المواطنين الذين يعتقدون أن بلادهم «غير مستعدة» لمواجهة أزمة أمنية كبرى، وهو تحول ثقافي بطيء لكنه عميق. ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا التحول يشكّل في حدّ ذاته إحدى ساحات الصراع؛ لأن الضغط على الحكومات الأوروبية من الداخل يخلق بيئة مواتية للانقسامات الحزبية والشعبوية، ما يسمح بتآكل الإجماع حول القضايا الأمنية، وهذا بالضبط ما يجعل الحرب الهجينة أكثر فاعلية؛ لأنها لا تستهدف القدرات العسكرية فقط، بل أيضاً النقاش السياسي الداخلي الذي يحدّد مسار الاستجابة الاستراتيجية.
هذه الأوضاع الجيوسياسية الناشئة في السنوات الأخيرة، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى مواقف كانت تُعد قبل سنوات غير قابلة للتصور، مثل زيادة الإنفاق العسكري بشكل غير مسبوق، وإحياء فكرة «الدفاع الأوروبي المشترك» التي كانت دائماً مصدر خلاف بين الدول، كما أعاد حلف الأطلسي نشر قواته على نحو يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب الباردة، في محاولة لردع أي محاولة لاختبار القوة الغربية، لكنّ هذه الإجراءات، على أهميتها، تبقى غير كافية في ظل طبيعة الحرب التي تتجاوز تقليدية الحشود العسكرية إلى تأثيرات مباشرة في الاقتصاد والأسواق والطاقة والرأي العام.
ولعلّ أهم ما يميز اللحظة الأوروبية الراهنة هو إدراك متزايد بأن الحرب، في صيغتها الهجينة، لا تنتظر إعلاناً رسمياً لتبدأ، فهي قائمة بالفعل في مجالات عديدة: في شبكة الكهرباء التي يمكن تعطيلها عبر هجوم سيبراني، وفي منصات التواصل التي يمكن عبرها تشكيل رأي عام مضاد، وفي الانتخابات التي يمكن التأثير في نتائجها، وفي نظام الطاقة الذي يمكن الضغط عليه لإحداث أزمة اقتصادية، وفي شبكات النقل والاتصالات التي يمكن تعطيلها بشكل انتقائي، ما يعني فعلياً أن أوروبا بكل ما تملكه من بنية متقدمة، أصبحت ساحة مفتوحة لصراعات تخاض بأدوات جديدة، وفي ظل هذا الواقع، يمكن القول إن القارة تجد نفسها أمام احتمالات تداعي مشروعها الأوروبي، الذي يبدو اليوم أكثر عرضة للتهديد مما كان عليه منذ تأسيسه.

[email protected]