أتذكر حين ذهبت قبل أكثر من ثلاثة عقود للعمل في مؤسسة إعلامية غربية كبرى، كنت دائم الجدل في اجتماعات التحرير والاعتراض على بعض توجهات التغطية. كنت حينها لا أزال شاباً مندفعاً إلى حد ما، ولديّ تصورات ساذجة عن الحرية والموضوعية والحياد الذي يُفترض أن المؤسسة تمثله. كان الأمر يصل أحياناً إلى حد الغضب والإحباط. كان المبنى العتيق الأثري للمؤسسة يقوم على أعمدة رخامية ضخمة.
في إحدى المرات، وبعد أحد الاجتماعات قال لي زميل قديم يعمل في المؤسسة قبلي بسنوات: «هل ترى هذا العمود الرخامي؟» فقلت: نعم. قال: «المؤسسة مثل هذا العمود، إذا واصلت خبط رأسك فيه لن يتأثر العمود لكن رأسك قد تنفلق. وأقصى ما يحدث أن ينسكب دم رأسك على العمود فيتم غسله ببعض الماء ليس أكثر. إنما أنت من سيُصاب رأسه.. الله أعلم بأي قدر».
تذكرت ذلك الحوار، وأنا أتابع مشكلة لاعب الكرة في نادي ليفربول محمد صلاح والتعليقات حولها، ليس فقط في الإعلام الكروي البريطاني، وإنما أيضاً في الإعلام بشكل عام. وتذكرت أيضاً ذلك المثل الشائع عن أنه لا يصح أن «تخطئ في مكان أكل عيشك»، ليس بالمعنى السلبي، أي أن ترضخ وتتقبل الظلم أو الإهانة، وإنما بالمعنى الإيجابي، أي أن تعبّر عن رأيك داخل المكان وليس «نشر الغسيل» على الملأ، ما لم يكن ذلك للصالح العام.
لا أتصور أن فيما أثار غضب اللاعب وأحبطه من ناديه، وإن كان على حق، ما له علاقة بالصالح العام. حتى لو كان الغرض من تصريحاته الصحفية الغاضبة، وهو المُقِل أصلاً في الحديث للإعلام، هو رسالة للجماهير المشجعة لناديه.
لا يمكن إنكار ما فعله محمد صلاح لنادي ليفربول على مدى سنوات منذ التحق به، وقد عبّرت جماهير النادي وكل مشجعي الكرة في بريطانيا وخارجها عن ذلك بأن رفعته إلى مصاف النجوم الكبار. وحظي بألقاب لم ينلها غيره من اللاعبين المحترفين العرب في أندية أوروبية مثل «الملك المصري» و«فرعون الكرة» وغيرها.
الملاحظة الأهم بالنسبة لي على أزمة اللاعب مع النادي بعد تصريحاته الغاضبة، تتجاوز في تصوري مسألة لاعب كرة موهوب ومبدع مع نادٍ أعطاه الكثير فحاول أن يُحمّله مسؤولية تراجعه. يرجع ذلك إلى أن محمد صلاح تجاوز كثيراً كونه لاعب كرة استثنائياً، أو نجماً أحبه جمهور اللعبة. بل إنه في تغطيات إعلامية سابقة كثيرة، أصبح رمزاً لمصر والعرب والمسلمين الذين يصمهم اليمين المتطرف وبعض العنصريين بكل سوءات البشر.
لذا تجد في تغطية أزمة اللاعب مع النادي بعض الآراء المهنية التي تتسم بالموضوعية، حتى لو ألقت باللوم على اللاعب. في المقابل كانت هناك آراء متطرفة كأنها كانت تنتظر الفرصة لنصب المشنقة لهذا النجم القادم من الجنوب إلى الشمال.
بعض تلك الآراء كانت تتسم بكراهية واضحة، ربما تراها ما تعرف بحقد «الأقران» كما في أي مهنة. لكن بعض ذلك كان مبالغاً فيه إلى حد يقترب من العنصرية. وكأنما أراد هؤلاء، خاصة في الإعلام اليميني وليس المعبّر عن اليمين المتطرف فقط، محو كل أثر إيجابي تركه وجود محمد صلاح في ساحة الكرة البريطانية لسنوات.
النتيجة أن ذلك الخلاف «المهني» اتخذ أبعاداً أوسع لم يفوّت المتطرفون والعنصريون الفرصة لاستغلالها. وزاد من إشعال النار غيرةُ بعض اللاعبين الذين لم يرقهم قطُّ أن يُنجز لاعب من «العالم الثالث» ما لم يستطيعوا إنجاز عُشره في مسيرتهم المهنية.
كما أسلفتُ في المقدمة، ربما أخطأ صلاح في التعبير عن الغبن الذي تعرض له، بحق وصدق فعلاً، ولم يختر الطريقة الصحيحة للوصول إلى حقه. لكن الوضع العام في بريطانيا، والغرب عموماً، لم يعد متسامحاً ولا يقبل الغفران لأي «آخر» ما قد يغفره لمن هو مثله. وبغض النظر عما إذا كان ذلك يقترب من العنصرية، فإن على من يريد النيل من «عمود الرخام» أن يقدر مدى صلابة رأسه أولاً.

[email protected]