أتركُ الكتابة عن فيلم «الست» 2025 إلى حين مشاهدته، وأيضاً مشاهدة مسلسل «أم كلثوم» 1999، وذلك للمقارنة بين هذين العملين الفنّيين، اللذَيْن يتناولان شخصية فنية كاريزمية حاضرة بقوة في الذاكرتين، المصرية والعربية، على رغم مرور سنوات طوال على غيابها الذي لا يعني أُفول «كوكب الشرق»، بل ولادته من جديد في السينما وفي الجدل الثقافي الحيوي الذي نشهده الآن في الصحافة المصرية، وبعض الصحف العربية.
من الصعب أن تكتب عن عمل فني لم تشاهده، ولكن من الممكن الكتابة عن بعض الجزئيات في ظاهرة فنية تاريخية وجماهيرية مثل ظاهرة أم كلثوم، ولنتحدث هنا حول تفصيلة صغيرة قد تبدو عابرة أو عادية لبعض القراء، ولكنها تؤشر على مجتمع ثقافي وشعبي كانت «كوكب الشرق» محوره النفسي والجمالي.
أنقلك هنا إلى جمهور أم كلثوم بالأبيض والأسود قبل عشرات السنين: ثياب ذلك الجمهور، وأدب الاستماع الذي كان يتحلّى به، وأناقة الحضور بين النساء والرجال، ثم تلك الأبّهة الاجتماعية البائنة في وجوه هذا «الشعب» الذي جاء ليُصغيَ بقلبه وأعصابه لهذا المرأة القوية، ذات الحنجرة الخارقة للعادة.
في حفلاتها الغنائية الكبرى في القاهرة كان الرجال يرتدون البدلات الكلاسيكية وربطات العنق، وتظهر على سيماهم علامات المجتمع الأرستقراطي الذوّاقة للطرب.. سمّيعة أنيقون، رصينون، وإن أخذ أحدهم صوت المرأة الساحرة إلى ما يشبه الشطح أو الإشراق، فأكثر ما يقوله: «عظمة على عظمة، على عظمة»، وهو واقف بأدب، ثم يعود، ويجلس في مقعده بأدب، كأن ذبذبات هيبة الست تصل إليه، وتحدّد له انفعاله.
لاحظ أيضاً تسريحات النساء في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، تذوقْ تلك الأناقة الأرستقراطية الطبيعية عند كل امرأة، بلا تصنّع، وبلا استعراض، ثم لاحظ رصانة كل سيدة إلى جانب زوجها وحدود الانفعال، ووقت التصفيق، وعلامات الطرب المنضبط على وجوه أنثوية تعبر عن ثقافة مجتمعية راقية.
لا صراخ، لا هياج، لا انفلات، هذا هو جمهور أم كلثوم أو مجتمعها أو شعبها الذي يعرف كيف يُصغِي، وكيف يتفاعل، وكيف يَطرب.
الآن، هل سجّلت السينما، وغيرها من الفنون المعنية بالسيرة الذاتية حين تتحوّل إلى مادة مقروءة أو مرئية تلك الثقافة المجتمعية عند جمهور «كوكب الشرق»، وبالتالي، قراءة العلاقة بين الفنان وجمهوره، ثم أخلاقيات وجماليات هذه العلاقة وربطها بالسياق الثقافي والمجتمعي العام بوصفها ظاهرة تهم علم الاجتماع، وعلم النفس، وأيضاً علم الجمال؟ أم كلثوم ليست مادة سينمائية أو أدبية فقط، هي أيضاً مؤشر على ثقافة مجتمع وسلوكيات شعب في الوطن العربي كلّه.
ثقافة أم كلثوم
22 ديسمبر 2025 00:17 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 ديسمبر 00:17 2025
شارك