يسرا عادل
في السياسة الأمريكية، نادراً ما تكون الفضائح مجرد أخبار، وغالباً ما تكون شروخاً تكشف ما تحت الجدار. وما قالته سوزي ويلز رئيسة موظفي البيت الأبيض لم يكن زلّة لسان، بل اهتزاز في العصب، ارتعاشة خرجت من داخل أسوار البيت الأبيض، من امرأة لم تكن عابرة في مشروع ترامب، بل كانت مهندسة عودته، ومنسّقة فوضاه، ويد الظل التي أعادت ضبط عقارب ساعته السياسية.
في لقائها مع غيريتي فاير، لم تتحدث سوزي ويلز عن ترامب كرئيس بقدر ما قدمته كشخصية تحكم دولة بمنطق ذاتي لا مؤسساتي، وصفته بشخصية مدمن كحول على الرغم من أنه لا يشرب الكحول، يتصرف وكأنه يعتقد أنه لا يوجد شيء لا يمكنه فعله «لا شيء، صفر، لا شيء». الخلاصة أنه يرى السلطة امتداداً لشخصه، ويخلط بين الخصومة السياسية والثأر الشخصي.
انسحب هذا المنطق على القرارات الترامبية ذاتها. فالتصعيد تجاه فنزويلا لم يُقدَّم كخيار استراتيجي، بل كلغة قوة تهدف إلى كسر الخصم لا إدارته، ذكرت أن ترامب يريد استمرار الضربات حتى يجعل الرئيس مادورو «يصرخ: كفى»، انتقدت ويلز التعامل مع وكالة USAID واستيائها من هذا القرار «الاندفاعي»، حيث تحوّل تفكيك أداة نفوذ ناعمة إلى رد فعل غير محسوب. وحتى في ملف إبستين، اكتفت ويلز بالإشارة إلى أن ترامب كان موجوداً، لكنها لم تتهمه بارتكاب شيء فاضح، واصفة علاقتهما بأنها عندما كانا «شبابين أعزبين معاً»، في تبرير بدا أقرب إلى الإدانة!
وحين انتقلت إلى من حوله، بدا جي دي فانس نموذجاً لهذا النظام الصفري: وصفته بأنه كان «من أصحاب نظرية المؤامرة لعقد من الزمن» قبل أن يتحول إلى مناصري ترامب، مشيرة إلى أن هذا التحول يبدو سياسياً أكثر من كونه مبنياً على مبادئ شخصية.
أما إيلون ماسك، لم يسلم في سلسلة المقابلات التي جمعها الكاتب كريس ويبل على مدار أكثر من 11 مقابلة، فبعدما وصفته ب«غريب الأطوار حقاً» و«متعاط معلن للكيتامين» بالإشارة إلى أسلوب حياته، فظهر كشريك ملتبس في هذه المرحلة، يجمع بين النفوذ والغرابة، قوة يصعب ضبطها، لكنها مغرية بما تملكه من تمويل وتأثير، ما يجعل العلاقة معه أقرب إلى هدنة بين الفوضى والمصلحة.
قراءة العالم لتصريحات رئيسة موظفي البيت الأبيض جاءت كمن يحدّق في مرآة واحدة، لكن يرى فيها صوراً مختلفة. في واشنطن العميقة، لم تُستقبل الكلمات كفضيحة إعلامية، بل كإنذار مبكر بخلل داخل غرفة القيادة نفسها، حديث من الداخل عن رئيس بات يُدار لا يُتبع، ويُحتوى لا يُنفّذ له، وكأن الدولة تحاول ترويض قوة انفلاتها أكبر من قدرتها على الضبط.
في الشرق الأوسط، انقلب المشهد، ما رآه الغرب اضطراباً، قرأه كثيرون وضوحاً. رئيس شخصي، حاد، يمكن مخاطبته مباشرة، والتفاوض معه بصفقة لا ببيان، في عالم اعتاد أن يخشى الغموض أكثر مما يخشى القسوة. أما اليمين الشعبوي عالمياً، فتعامل مع تصريحات ويلز كخيانة طقسية، لا لأن الكلام صادم، بل لأنه خرج من الدائرة المقدسة، حيث لا يُسمح إلا بالرواية الواحدة. وفي الأسواق والدبلوماسية الصامتة، هبطت الكلمات من مستوى الأخلاق إلى مستوى البيانات.
لكن ما جعل هذه التصريحات أكثر خطورة، لم يكن مضمونها فقط، بل توقيتها، وحين نُشر ما نُشر، بدا واضحاً أن المشكلة لم تكن فيما قالته سوزي ويلز، بل في أن ما قالته كان صادقاً أكثر مما تحتمل واشنطن في هذا التوقيت. فالكلام الذي قيل في غرفة مغلقة، وبنبرة من ظنّ أن الحديث سيبقى في نطاق الفهم لا الفضيحة، خرج إلى العلن ليصطدم بسياق انتخابي حساس، وليفتح باباً لم يكن أحد يريد فتحه: باب السؤال عن طبيعة الإدارة، لا عن سياساتها فقط.
وعلى الرغم من نفيها لطبيعة ما قالته، وتأكيدها أنه خرج عن سياقه الطبيعي لا عن قناعته الحقيقية، إلا أن الكلمات - متى خرجت من داخل الدائرة - لا تعود إلى صاحبها. فما قيل سيترك أثره حتماً على الانتخابات النصفية، ليس بوصفه موقفاً سياسياً، بل كتشويش نفسي داخل المعسكر نفسه. وعلى الرغم من مشاركة سوزي ويلز في مأدبة نوفمبر/تشرين الثاني التي أقامها إيلون ماسك دعماً للجمهوريين في الانتخابات النصفية، إلى جانب جي دي فانس، وتايلور بودوفيتش، وجاريد بيرشال، في مشهد يوحي بتماسك الصف، فإن هذه التصريحات ستزرع شكاً لا يمكن محوه بسهولة: شكاً في طبيعة الرجل، وفي كلفة الدفاع عنه، وفي القدرة على ضبطه حين تشتد المعركة، فإذا كانت الإدارة تُدار اليوم بمنطق الاحتواء لا الثقة، وبالحذر لا الانسجام، وبإدارة المزاج لا بإدارة الدولة... فهل ما نراه مشروع حكم مستقر، أم مجرد توازن هشّ حول رجل واحد، يكفي أن يتكلم أقرب مساعديه حتى يهتز؟.