عندما تتجول في معارض الكتاب في مختلف أرجاء العالم العربي، أو تزور أحد محال بيع الكتب، سيفاجئك سيل من العناوين لمؤلفين، ربما تعرفهم الأجيال الجديدة من محترفي مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن الذي يعيش في ثقافته التقليدية لا يسمع بهم ولم يقرأ لهم شيئاً، مع متابعة هذه الظاهرة وتزايدها خلال السنوات الأخيرة يمكن القول إن الثقافة العربية الآن تعيش حالة انفجار كتابي لم تشهدها من قبل، فالمنشور غزير وربما مرة أخرى يزيد على طلب القراء.
أما مسألة القراء، فهي غامضة، فبرغم تلك الكميات الكبيرة من الإصدارات الجديدة، وقول البعض أحياناً إن معدلات القراءة في عالمنا العربي في تصاعد، إلا أن قارئنا لا يزال ذلك الشبح الذي لا نعلم عنه الكثير، الجميع يتحدث باسمه، ولكن من هو؟ ما هي الفئات الاجتماعية التي يتوزع عليها القراء العرب، وما هي مستوياتهم التعليمية والمهنية، وما هي تلك الكتابات التي يفضلونها؟ كلها أسئلة كلاسيكية لا نعرف إجاباتها، تضاف إليها أسئلة أخرى تتعلق بجمهور القراء الجدد التابع للتكنولوجيا فائقة الحداثة، إذن نحن أمام نوعين من الجمهور، و نظراً لأسباب عديدة، تتعلق بعلم الاجتماع والدراسات الأكاديمية وغياب الإحصائيات، لا نعرف عنهما الكثير.
إن معرفة طبيعة القراء مهمة جداً، لكي نستطيع أن نفهم حالة غزارة النشر التي نشهدها حالياً، ولكن فلنقم بانطباعات شخصية داخل وسيط أصبح الجميع يستخدمونه اليوم، فإذا ذهبنا إلى مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات عروض الكتب المرئية على يوتيوب وتيك توك على سبيل المثال، فسنجد ترويجاً يتم على قدم وساق لكل أنواع الكتب بموضوعاتها المختلفة، ولكن نلاحظ أن الجمهور لا يفضل الفلسفة ويقبل على الرواية و يهجر الشعر، وهناك صورة، كاذبة غالباً، لرواج واسع للكتب ضخمة الحجم، خاصة روايات المغامرات والرعب وإصدارات تطوير الذات.
نحن أمام انفجارين، يمكن ملاحظتهما بسهولة، الأول غزارة الإصدارات، والثاني ذلك العرض الدائم للكتب في وسائل التكنولوجيا الحديثة، بما يوحي أن الثقافة العربية لا تعيش مشاكل في النشر أو تراجعاً في معدلات القراءة، وبما يمنحنا انطباعاً أولياً بأن ثقافتنا بألف خير وعافية، وأن كل ما يقال من نقد عن تلك الأمة التي لا تقرأ، وحالة التراجع المعرفي، ما هو إلا وجع رأس.
إن تأمل الانفجارين السابقين، ووضعهما على طاولة التحليل والسؤال، يؤكد أن ما نعيشه ليس أكثر من «شو» لا علاقة له بالثقافة، وأن الكثير من دور النشر تطبع عدة مئات فقط من الكتب، وعندما تطبع ألف نسخة تتباهي بذلك وتضع الرقم على الغلاف، وأن بعض دور النشر تكذب في رقم الطبعات، أما إذا توقفنا قليلاً أمام عناوين المئات من تلك الإصدارات فسنجد أنها لا تتحدث إلا عن تجارب يومية لأصحابها، بعضها خواطر، والبعض الآخر تطوير لتغريدات أو تعليقات مواقع التواصل، ليس أكثر، أما فهم أولئك للرواية فلا يعدو كونها حدوتة، فلا بناء أو لغة أو فكرة أو غوص في أعماق الشخصيات، وبالنسبة لكتب تطوير الذات فحدث عنها ولا حرج، ولا ندري منذ متى كانت الثقافة العربية في حاجة إلى هذه الكتب، ولكن تلك قصة أخرى.
يعتقد الكثيرون من مستخدمي ورواد مواقع التواصل أن تأليف الكتب، لا يختلف عن كتابة تعليق أو تغريدة، وتلك المواقع بما أتاحته من «أكبر» ثرثرة عرفها الإنسان في تاريخه أثرت بالسلب في عملية الكتابة نفسها، فهؤلاء لا يقرأون، وينقلون ثرثرتهم إلى تأليف الكتب، وأصبحنا أمام ظاهرة جديدة وفريدة، وهي الكاتب الذي لا يقرأ، وهم كالسيل ويتسببون الآن في سيادة شعور من الإحباط بين المبدعين الحقيقيين الذين يتركون الساحة للكذب والزيف، ويضرون بكافة مفاصل العملية الثقافية، فسيادة هذه الكتب تُوقف أيضاً الطلب على النقد.
الثقافة الحقيقية لا علاقة لها بـ«الشو» والرغبة في الاستعراض والشهرة، والفخر بالتزاحم حول هذا المؤثر أو ذاك عندما يوقّع كتابه، ولا كتابة من دون قراءة متواصلة ومضنية وقناعة بأن ما نكتبه يشكل إضافة، هذا درس تعلمناه في زمن سابق، قبل انتشار كل هذا الزبد الذي لا ينفع القراء «الحقيقيين»، ولا يمكث في الذاكرة.
كتّاب لا يقرأون
23 ديسمبر 2025 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 ديسمبر 00:05 2025
شارك